تعالى شاء الله أن يفعل ما أمره به، حيث أخبر أنه سيجده من الصابرين إن شاء الله، وقد كان إبراهيم مأمورًا بذبح ولده، فإذا أمر هو بالذبح فقد أمر الولد بأن يصبر عليه، ثم أخبر أنه سيصبر إن شاء الله فدلّ على ما ذكرنا، فهو حجةٌ لنا على المعتزلة كما في التيسير والتفسير الكبير.
وفيه إشاراتٌ إلى مسائل:
الأولى: أن الاستدلال المشهور بين المتكلمين بأن الممتحن لعبده هل يطيعه؟ وكذا المعتذر من ضربه بعصيانه قد يأمر ولا يرد منه الفعل، وكذا الملجأ إلى الأمر قد يأمر ولا يريد الفعل المأمور به بل يريد خلافه، ولا يُعدُّ سفهًا ليس بذاك، ولذا عدل عنه إشارة إلى ورود المنع عليه بما مرّ من أن الموجود فيه مجرد صيغة الأمر من غير تحقق حقيقته، وما قيل إنه قد يأمرٍ به إذا علم أنه لا يحصل، وكان في الأمر به فائدة، بخلاف الإرادة فإنها لا تتعلق بها أصلًا، فهو كلامٌ على السنة مع أن العاقل إذا علم ترتيب الفائدة على صورة الأمر لا حاجة إلى حقيقة الأمر والطلب، وأنه لو لم يفهم من مخالفة أمره أنه خالف ما هو يريده لم يعذر في ضربه؛ إذ لا وجه له حين العمل على وفق إرادته.
الثانية: الإشارة إلى أحقية الرؤيا، واختاره مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو منصور الماتريدي، والأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني، وإمام الحرمين، والغزالي، ونجم الدين النسفي، وصاحب الكفاية والاعتماد، والقاضي البيضاوي، وصرح في تفسير سورة الملائكة بأنها بإلقاء الملك، وهو مذهب عامة المفسرين والمحدثين؛ لثبوتها بالآيات والأحاديث المشهورات، فإنها رُويت عن ثلاثة عشر صحابيًّا رواها: العباس بن عبد المطلب، وابنه عبد الله، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وابن مسعود، وأنس، وأبو هريرة، وأبو الدرداء، وأبو قتادة، وأبو سعيد الخدري، وأبو رزين العقيلي، وحذيفة بن أسيد، وعروف بن مالك، ورُوي عنهم بأكثر من أربعين طريقًا.
الثالثة: أن الرؤيا نوع مشاهدة للوح، وقد يُشاهد الشيء بحقيقته كما في التعديل، وإليه أشار برؤيا إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام ملكًا يأمره بحقيقة الذبح، وأنه لم يؤوّل وباشره.
قال الإمام أبو منصور الماتريدي في التأويلات: الرؤيا قد تخرج على عين ما رأى، وقد تخرج على غيره، فقد رأى يوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام سجود الكواكب فخرجت على الإخوة، والسجود على عينه، وهو كرؤية إبراهيم عليه السلام في المنام ذبح الولد، فخرج الولد على الكبش، ولذبح على عينه كما في التيسير، وصرّح في الكفاية@