منه طاعة له، كيف والإرادة كامنة والأمر ظاهر؟! ولذا يُقال عرفًا: فلان مطاع الأمر، ولا يُقال: مطاع الإرادة، وبيّنه بقوله: (ويعذب الله العياد) العاصين الذين تعلق مشيئته تعالى بتعذيبهم (على ما لا يرضى) من المعاصي؛ (لأنه نعذبهم على الكفر) حتمًا، كما ثبت عقلًا ونقلًا، (والمعاصي) معاقًا بمشيئته، فيعذب من شاء تحقيقًا للوعيد والعدل، ويغفر لمن شاء تحقيقًا للعفو والفضل، كما ثبت نقلًا، (ولا يرضى به) : أي بذلك من الكفر والمعاصي، (ولكن يرضى أن يعذبهم وينتقم منهم بتركهم الطاعة) التي أُمروا بها، ومخالفتهم لأمره تعالى، (وأخذهم بالمعصية) التي نُهوا عنها، ومخالفتهم لنهيه تعالى، بصرفهم الاستطاعة والقدرة إلى المعصية، (ويعذبهم على ما يشاء) : أي يخصص (لهم) ؛ (( لأنه يعذبهم على الكفر والمعاصي وشاء ها لهم ) ): أي خصصها وقدّرها عليهم؛ لعلمه في الأزل بأنهم يختارونها فيما لا يزال.
وفيه إشاراتٌ:
الأولى: أن الإرادة لا تستلزم الرضا وكذا المحبة.
وغليه أشار بقوله: (ومن عمل بمشيئة الله وبغير ما أُمر به فلم يعمل برضاه) ، فإن الرضا ترك الاعتراض على الشيء لإرادة وقوعه، والمحبة استحماده، والإرادة أعم، كما اختاره عامة أهل السنة، ودلّ عليه النصوص القرآنية، وخالف فيه بعض الأشاعرة، ونسب إلى الأشعري أيضًا.
قال إمام الحرمين في الإرشاد: إن من حقق لم يكِعٌ عن تهويل المعتزلة، وقال: المحبة بمعنى الإرادة وكذلك الرضا، فالربُّ تعالى يحب الكفر ويرضاه كفرًا معاقبًا عليه.
قال ابن الهمام في المسايرة: وهذا خلاف كلمه أكثر أهل السنة، وخلاف النصوص القرآنية، قال الله تعالى: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7] ، وقال {اللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205] ، وقال {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55] ، وإن كان لا يلزمهم به ضرر في الاعتقاد إذا كان مناط العقاب مخالفة النهي، ولو فرض متعلقه محبوبًا.
الثانية: أن مقارنة الإرادة له في بعض الصور اتفاقي، وإليه أشار بقوله: ومن عمل بمشيئة الله وطاعته وبما أُمر به فقد عمل برضاه.
قال الإمام ابن الهمام: قد تتعلق الإرادة بالمحبوب المطلوب وجوده، فتقارن الإرادة المحبة في متعلقها اتفاقيًّا لا لزومًا، فعن هذا وللغلبة ظن اللزوم وهو بعيدٌ عن التأمل، فكثيرًا ما يجد الإنسان من نفسه إرادة ما يكره وجوده لأمرٍ ما، ولو فُرض أن ذلك لمصلحةٍ@