الدنيا والآخرة، فأشار إلى منع كون الرضا هو الإرادة، ومنع لزوم الرضا بالكفر؛ لكونه مراد الله تعالى، مستندًا بتوجه الذم والعقاب على ما يشاء لهم من الفكر؛ لاختيارهم إياه، وبأن الذم والإنكار المتوجّه نحو الكفر وسائر الأفعال القبيحة إنما هو بالنظر إلى المحية لا بالنظر إلى الخالقية.
وإليه أشار بقوله: (ورضي أن يخلق الكفر ولم يرضَ الكفر بعينه) ، وكذا الحال في رضا العباد؛ لوجوبه فيما رضي الله به وعدمه فيما لم يرضَ به، فإن للكفر ونحوه نسبة الإيجاد إلى الخالق باعتبار إيجاده إلاه، ونسبة الاكتساب إلى العبد باعتبار محليته له واتصافه به، وإنكاره باعتبار النسبة الثانية دون الأولى.
والرضا به إنما هو باعتبار النسبة الأولى، وكونه خلق الله دون النسبة الثانية، والفرق بينهما طاهرٌ؛ إذ لا يلزم من وجوب الرضا بشيءٍ باعتبار صدوره عن خالقه وجوب الرضا به باعتبار وقوعه صفة لشيءٍ آخرٍ؛ إّ لو لزم لوجب الرضا بموت الأنبياء، وهو باطلٌ الإجماع، كما في شر الواقف [1] .
وفيه إشاراتٌ:
الأولى: أن الواجب رضا القلب بفعل الله بل بتعلق صفته أيضًا، كنا في الواشي الخيالية.
وإليه أشار بقوله: فرضي أن يخلقهم؛ إذ يجب الرضا بما رضي به.
الثانية: أن الرضا بهما يستلزم الرضا بالمتعلق من حيث هو متعلقٌ للقضاء لا من حيث ذاته ولا من سائر الجهات، وإليه أشار بقوله: ولم يرضَ أنفسهن حيث خص عدم الرضا بمعنى الاستحماد بأنفسهن المستلزم لعدمه بالمعنى الآخر في الجملة.
الثالثة: أن الكفر مقضيّ لا قضاء، وجبا لرضا إنما هو بالقضاء دون المقضي نفسه، فقولهم إن الرضا بالقضاء واجب لا يستلزم الملازمة؛ لأن القضاء ليس بكفرٍ حتى يكون الرضا به رضا بالكفر، وكيف لا والقضاء قائمٌ بذاته تعالى والكفر قائمٌ بذات العبد؟! كما في الحواشي العصامية.
وإليه أشار بقوله: ورضي أن يخلق الكفر ولم يرضَ الكفر بعينه.
الرابعة: أن الرضا باعتبار النسبة الثانية إنما يكون كفرًا لو كان مع استحسانه، أما مع@
(1) انظر: الشرح الميسر (1/ 149) ، والتبصير في الدين (ص 76) ، ومقالات الإسلاميين (1/ 127) ، والإبانة (ص 181) ، ومرهم العلل المعضلة (ص 102) .