الصفحة 137 من 285

استقباحه كالرضا بكفر العدو قصدًا إلى تخليد عذابه، فلا كما قال تعالى حكايةً عن موسى على نبينا وعلى الصلاة والسلام: {وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: 88] ، كما في شرح المقاصد وإليه أشار بقوله لا يرضى الخمر ولا الكفر ولا وإبليس ولا أفعاله؛ إذ يجب عدم الرضا والاستحماد لما يرضَ به ولم يستحمد.

الوجه الخامس:

أنه لو أراد الله الكفر وخلاف مراد الله ممتنعٌ عندكم كان الأمر بالإيمان تكليفًا بما لا يُطاق؛ لكونه ممتنع الصدور عنه حينئذٍ كما في المواقف، وأشار إلى جوابه بالمنع بقوله: (قد أمر الله بشيءٍ) ممكن في نفسه، مقدور للعبد بالنظر إلى إمكانه، كما أمر بالإسلام جميع الأنام، (ولم يشأ خلقه) في كل من كلف له، بل فيمن وفّقه لاختياره، (وشيئًا ولم يأمر به حلقه) ، وبيّن الأمرين بقوله: (أمر الكافر بالإسلام) ، وهو ممكنٌ في نفسه، مقدورٌ للعبد بالنظر إلى إمكانه، (ولم يشأ له) ، وإلا لما تخلف الكافر عن الإسلام، (وشاء الكفر للكافر) ؛ لما علم في الأزل من سوء اختيار الكافر فيما لا يزال، (ولم يأمر به) ؛ لأنه تعالى حكيمٌ، لا يأمر إلا بما فيه مصلحة وعاقبة حميدة، (ورضي الله شيئًا ولم يأمر به) ، ولم يوجبه على عباده (كالعبادات النافلة، وما أمر الله بشيءٍ ولم يرضَ به؛ لأن كل شيءٍ أمر به فقد رضي به) ، فأشار إلى منع لزوم التكليف بما لا يُطاق في تكليف الكافر بالإيمان، بناء على امتناع خلاف المراد، مستندًا بأن الأن الأمر بالإيمان للكافر أمر بما هو ممكنٌ في نفسه، متعلقٌ لقدرته الكاسبة عادة.

وإليه أشار بقوله: ولم يشأ خلقه، وقوله: أمر الكافر بالإسلام ولم يشأ له؛ إذ ليس المستحيل مظنة الخلق والمشيئة ليفيد نفيه، وليس يأمر بما لا يكون متعلقًا لقدرته؛ إما لاستحالته في نفسه، أو لاستحالة صدوره عن الإنسان في العادة، وعدم وقوع الإيمان منه بناء على امتناع خلاف المراد، لا يخرجه عن الإمكان في نفسه، وكونه مقدورًا لذلك؛ لأن الإرادة تابعة للعلم كما أشار إليه فيما مرّ بقوله: وشاء بعلمٍ، والعلم تابعٌ للمعلوم الاختياري في الماهية، فلا يؤدي تعلق الإرادة بخلافه إلى استحالته بل إلى عدم وقوعه.

وفيه إشاراتٌ:

الأولى: أن بعلق الإرادة بمعصية العبد لم يوجبها منه بحيث يسلب اختياره فيها، ولم يجبره على فعلها بل لا أثر للإرادة في شيءٍ من ذلك. @

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت