يوسف: ناظرت أبا حنيفة في خلق القرآن ستة أشهر، فاتفق رأيي ورأيه أن من قال بخلق القرآن قهو كافرٌ منا في شروح البزدوي.
ولعل امتداد المناظرة ليتضح كون القول بخلقه إنكارًا لما هو من الضروريات الدينية، وهو تنزهه تعالى عن النقائص؛ لأن الإكفار إنما هو في الضروريات كما أشار إليه الإمام في مواضع، واختاره الجمهور كما مرّ.
وفي لُباب التفاسير: في قوله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} [البقرة: 120] ، أنه سُئل الإمام أحمد بن حنبل عمّن بقول القرآن مخلوق، فقال: هو كافرٌ، وتلا الآية ثم قال: القرآن من علم الله تعالى، فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر.
ونقل القاضي أبو بكر الباقلاني عن الأشعري إكفار من زعم أن كلام الله مخلوق.
ونقل القاضي أبو بكر الباقلاني عن الأشعري إكفار من زعم أن كلام الله مخلوق.
وقال الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني في الموجز: من قال: إن القرآن مخلوق، فهو كافرٌ، كما في شرح الإرشاد للإمام أبي قاسب الأنصاري: وأشار إلى تعليله بأنه قولٌ بما هو نقصٌ صريحٌ وإنكارٌ لعظمته تعالى: أي اتّصافه بجميع صفات الكمال، وانتفاء صفات النقص عنه تعالى بترتيب الحكم في الموصوف بالعظمة، أما كونه قولا بالنقص في صفاته تعالى عنه فلأن الكلام لو كان حادثًا وهو من صفات الكمال اتفاقًا كان الخلو عنه مع جواز الاتصاف به نقصًا بالضرورة، وقد خلا عنه قبل حدوثه، وأما كونه إنكارًا لعظمته ونسبة للنقص إلى ذاته تعالى شأنه فلأنه نستلزم احتياج الواجب فيه إلى منفصلٍ، فلا يكون واجبًا من جميع الجهات، والله تعالى هو العظيم المتصف بصفات الكمال، المنزه عن الاحتياج والنقص.
واختار الشافعي ما ذكره الإمام، نقله أبو القاسم بن عساكر وغيره كما مرّ، وتجويز حمله على اليمين كما ظنّ تفويت لتمام المرام، وحمل للكلام على ما لا تنساق إليه الأفهام، وحمل الكفر على كفران النعمة لا الخروج عن الملة كما ظنّ خروج عن فهم المقام المصرّح به في كتب الأئمة الأعلام.
الوجه الثاني: ما اشتهر وثبت بالنص والإجماع من خواص القرآن من كونه ذكرًا لقوله تعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ} [الأنبياء: 50] ، {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ} [الشعراء: 5] ، وكونه عربيّا لقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف: 2] ، والعربي هو اللفظ لاشتراك اللغات في المعنى، وكونه مفصلًا إلى الآيات والسور؛ لقوله: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} [هود: 1] ، وكونه للنسخ منزلًا على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن ذلك إنما يصدق على هذا المؤلف الحادث؛ لامتناع ذلك على المعنى القائم بذاته تعالى@