الصفحة 146 من 285

عندكم، واللفظ وإن كان عرضًا لا يزول عن محله، لكنه قد ينزل بنزول الجسم الحامل له كما في شرح المقصد، وأشار إلى جوابه بالحل بقوله: (والحروف والكلمات والآيات دلالات القرآن) النفسي القائم به تعالى؛ (لحاجة العباد إليها) في التبليغ وفهم معناه، (والله سبحانه معبود) : أي مستحق للعبادة، واجب الوجود، كامل في الذات والصفات، (لا يزال عمّا كما) ولا ينفك عنها صفات الكمال؛ لأن الانفكاك مستلزم للنقصان، (وكلامه تعالى مقروء ومحفوظ من غير مزايلةٍ عنه تعالى) ، فأشار إلى الجواب بأن الكلام والقرآن قد يُطلق على المنتظم من الحروف والكلمات والآيات والسور والغايات، العربي المُنزّل على الرسول، المقروء، المسموع، المحفوظ إلى آخر الخواص لكونها دلالات القرآن، وجعله موصوفًا بهذه الصفات إنما هو باعتبار ذلك المعنى، وهذا لا يدل على نفي الكلام النفسي، وإنه أيضًا قد يُوصف بما هو من صفات الأصوات والحروف الدالة عليه مجازًا ووصفًا للمدلول بصفاته الدالة عليه.

وإليه أشار بقوله: (وكلامه مقروء محفوظ من غير مزايلةٍ عنه) ؛ لأن إطلاق اسم المدلول على الدال وكذا إجراء صفات الدال على المدلول شائع ذائع، مثل: سمعت هذا المعنى من فلانٍ وقرأته في كتابٍ وكتبته بيدي، فسميت العبارات كلام الله؛ لأنها دالة على كلامه القائم به لحاجة العباد إليها؛ لأن معناه إنما يُفهم بها، وهو صفةٌ واحدةٌ قائمةٌ بذاته تعالى من غير مزايلةٍ منه، فإن عبّر عنه بالعربية فهو قرآنٌ؛ لأنه علمه بالغلبة، وإن عبّر عنه بالعبرية فهو توراةٌ، وإن عبّر عنه بالسريانية فهو إنجيلٌ، واختلاف العبارات لا يستلزم اختلاف الكلام وكذا المنزّل؛ إذ معنى الإنزال أن جبريل عليه السلام أدرك كلامه تعالى ثم نزل إلى الأرض، وأفهم النبي صلى الله عليه وسلم ما فهمت من غير نقلٍ لذات الكلام؛ لعدم انتقال الصفة، ولاستلزام الانتقال والانفكاك للنقصان كما أشار إليه بقوله: والله معبود لا يزال كما كان.

الوجه الثالث: أن كلامه يشتمل على أمر ونهي وإخبار واستخبارٍ ونداء وغير ذلك، فلو كان أزليٍّا لزم الأمر بلا مأمورٍ، والنهي بلا منهيّ، والإخبار بلا سامعٍ، والنداء والاستخبار بلا مخاطبٍ، وكل ذلك سفهٌ وعبثٌ، لا يجوز أن يُنسب إلى الحكيم تعالى وتقدّس، كما في شرح الصحائف والمقاصد، وأشار إلى جوابه بالمنع بقوله فيه: (وما ذكره الله تعالى) بكلامه الأزلي نقلًا عمّا تحقق فيما لا يزال (عن موسى عليه السلام وغيره) من الأنبياء والمؤمنين، (وفرعون وإبليس لعنهما الله) ، وغيرهما من الكافرين، (فإذا ذلك كلام الله تعالى) الواجب البقاء والدوام كسائر صفاته تعالى، (إخبارٌ عنهم) في كلامه الأزلي كما دلّ عليه الذكر، وعنوان كلام الله والمقابلة بالمخلوق، (وأن كلام موسى@

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت