الصفحة 147 من 285

وغيره من المخلوقين مخلوقٌ) وعرضٌ ليس له بقاء، فأشار إلى الجواب بمنع لزوم العبث، والسفه بالأمر بلا مأمور، والإخبار بلا سامع، والنداء وحوه بلا مخاطب، مستندًا بأن الطلب ونحوه من الله تعالى يرجع إلى الخبر في الأزل، فمعنى الأمر الإيجابي أنه أن فَعَلَ يستحق الثواب، وإن تَرَكَ يستحق العقاب، ومعنى النهي التحريمي بالعكس كما في التعديل والأربعين، والنفسي معان معلومة، فالخطاب مع المعلوم بالضرورة، فجاز أن يكون الخطاب به مع مخاطب معلوم يوجد في زمان آخرٍ، ويكون ذلك الخطاب بحسب وقته وحاله، وإنما يستفتح ذلك في الكلام الحسي؛ إذ يجب فيه حضور المخاطب الحسّي كما في الصحائف والمقاصد، وإليه أشار بقوله: وما ذكره الله عن موسى وغيره، فإن ذلك كلام الله إخبارًا عنهم، فإن من ذكر عنه الكلام معلوم في الأزل من غير وجوده فيه، وإمنا ذكره الله تعالى إخبارًا في الأزل، وإليه أشار أيضًا بالتعرض للإخبار في مقام البيان، واختاره الإمام الأشعري كما في المنائح للآمدي، واختاره كثيرٌ من الأشاعرة، خلافًا لجمهورهم حيث ذهبوا إلى أن كلام الله تعالى في الأزل كان أمرًا ونهيًا وخيرًا كما في الصحائف.

وذهب بعضهم إلى انقسامه في الأزل إلى الأقسام الخمسة كما في المواقف وغيره، وخلافًا للإمام عبد الله بن سعيد القطان حيث ذهب إلى أنه في الأزل واحد، وليس منصفًا بشيءٍ من تلك الخمسة، وإنما يصير أحدها فيما لا يزال، فهي ليست أنواعًا حقيقية للكلام حتى يرد أن الجنس لا يوجد إلا في ضمن شيء من أنواعه، بل هي أنواعٌ اعتباريةٌ تحصل فيه بسبب تعلقها بالأشياء، فجاز أن يوجد جنسها بدونها ومعها أيضًا، ولئن سلم

انحصار الخطاب بالموجود فلا نسلم لزوم العبث في أزلية الإخبار؛ لأن إخبار الله تعالى واجب البقاء، فيبقى إلى وجود المخاطبين، فيصح الإخبار قبل السامع ولا يكون عبثا، بخلاف كلام العباد فإنه عرضٌ لا بقاء به، فكان الخبر بلا سامع، والأمر والنهي بلا مخاطب سفهًا وعبثًا مهم، كما في التبصرة والتسديد، وإليه أشار بأن كلام المخلوقين مخلوق: أي عرض ليس له بقاء، مشيرًا إلى الفرق المذكور، فلما استمرّ الخطاب الأزلي إلى زمان وجود المعدوم صار بعد الوجود مخاطبًا وترتب عليه الحكمة.

والعبث إنما يلزم لو خوطب المعدوم وأمر في حال عدمه، كما في شرح المقاصد.

الوجه الرابع: أن كلامه تعالى لو كان أزليًّا لزم الكذب في إخباره؛ لأن الإخبار بطريق المعنى كثير فيه، مثل قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا} [نوح: 1] ، {وَقَالَ مُوسَى} [يونس: 88] إلى غير ذلك، وصدقه يقتضي سبق وقوع النسبة، ولا يتصور السبق على@

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت