النفسي مدلول اللفظ أنه مستفادٌ منه ومدلول في الجملة كما مرَّ، ولا ينافي استفادة (لازم زائد) بحسب تعلق له آخر، فلا عسر كما ظنَّ في القول بأن الأزلي مدلول اللفظ، وأن المتَّصف بالمضيّ وغيره إنما هو اللفظي الحادث دون المعنى القديم.
الوجه الخامس: أن الكلام لو كان أزليَّا لما اختص مكالمة موسى (عليه السَّلام) بالطور بل استمر أزلًا وأبدًا؛ لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه، واللازم باطل إجماعًا كما في شرح المقاصد، وأشار إلى جوابه بالمنع بقوله في الفقه الأكبر: (وسمع موسى) صوتًا غير مكتسب للعباد؛ إكرامًا له، دالًا على ما يصح تعلقه به (كلام الله) القائم به كما أشار إلى بيانه بعده.
وصرَّح به الإمام أبو منصور الماتريدي وأشار إلى دليله بقوله: (( كما في قوله تعالى: (( وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى ) ) [النساء:164] ، وبيَّنه بقوله: (كلم موسى) : أي في الطور في وقت مخصوصٍ، كما أشار إليه الصيغة، فغن الفعل المثبت لا يعم الجهات والأزمان على الصحيح كما في التلويح وغيره.
وأشار على تعلق كلامه الأزلي القائم به تعالى بموسى حيًّا بقوله: (بكلامه) : أي بتعلق كلامه (الذي هو له صفة في الازل) ، فأشار إلى الجواب بمنع لزوم استمرار مكالمة موسى، مستندًا بأن الكلام وإن كان أزليًّا لكن تعليقاته بالأشخاص والافعال حادثة بإرادة الله تعالى واختياره، فيتعلق الكلام بموسى حيًّا في الطور وينقطع به، فلا يلزم الاستمرار كمما في شرح المقاصد، وأشار إلى بيان جهة اختصاصه بذلك، (وقال في كتاب العالم: وخصَّه بكلامه إياه) : أي تكليمه إياه، (حيث لم يجعل بينه وبين موسى رسولًا) من الملاكة.
وفيه إشارات:
الأولى: أن تخصيصه بكونه كليم الله؛ لأنه سمع من غير واسطة الصوت والحروف؛ لاستحالة سماع ما ليس من جنس الحروف والأصوات؛ لأنه يدور مع الصوت في الشاهد وجودًا وعدمًا بخلاف الرؤية، كما في كتاب التوحيد للإمام ابي منصور الماتريدي.
يعني أن الصوت والحرف شرط لحقيقة السماع، وأمارته الدوران معه وجودًا وعدمًا، فلا يقاس على الرؤية؛ لأن الشروط المذكورة للرؤية بلا جامع، واختاره الأستاذ أبو إسحاق ومن تبعه من الاشاعرة.
الثانية: أن التكليم لا يتوقف على السماع من الله بالذات، وليس في النظم الجليل أنه سمع موسى من الله تعالى بل أنه تعالى كلّمه، كما فيه الكفاية، وإليه أشار بالدليل وقد@