الصفحة 150 من 285

حصر تكليمه تعالى في آية أخرى على ثلاث مراتب:

فقال: (( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أن يُكَلِّمَهُ اللَّهً إلاَّ وَحْيًا أَوْ من وَرَاءِ حِجَابِ) [الشورى:51] الألفاظ (1) ، فإنه أقرب المجازات في المقام، فهو بواسطة الحروف والأصوات المخلوقة في الشجرة في تكليم موسى مثلًا كما دلّ عليه قوله: (( نُودِيَ مِن شَاطِئِ الوَادِ الأَيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ ) ) [القصص:30] ، كما في الكفاية لنور الدين البخاري، فلا يبقى مع القرينة الحالية الصارفة عن الحقيقة خفاء في حمل الحجاب على توسط الحروف والاصوات، ففي شرح التأويلات الماتريدية في قوله تعالى: (( أو مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) [الشورى:51] نحو ما كلم موسى ألقى في مسامعه صوتًا مخلوقًا على ما يشاء.

الثالثة: أن لكلامه الازلي تعليقات تحدث بحسب الأشخاص والأوقات كتعليقات سائر الصفات، وإليه أشار بقوله: كلم موسى بكلامه الذي هو له صفة في الأزل؛ إذا ليس تكليمه لموسى بجميع كلماته قطعًا لب بما يخصَّه ويتعلق به.

قال في التفسير الكبير في قوله تعالى: (( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى ) ) [طه:11] قال الأشعري: إن الله تعالى أسمعه الكلام القديم الذي ليس بحرف ولأصوت.

وأما المعتزلة فإنهم أنكروا وجود ذلك الكلام فقالوا: إنه سبحانه خلق ذلك النداء في جسمٍ من الأجسام كالشجرة أو غيرها؛ لأن النداء كلام، والله تعالى قادرٌ عليه، ومتى شاء فعله.

وأما أهل السنُّة من أهل ما وراء النهر فقد أثبتوا الكلام القديم، إلا أنهم زعموا أن الذي سمعه موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام صوت خلقه الله تعالى في الشجرة، واحتجُّوا بالآية على أن المسموع هو الصوت المحدث، قالوا: إنه تعالى رتب النداء على أنه رأى النار، فالمرتب على المحدث محدث، فالنداء محدث، وفي شرح المقاصد في اختصاص موسى بأنه كليم الله أوجه:

أحدها: وهو اختيار حجَّة الإسلام، أنه سمع كلامه الأزلي بلا صوتٍ وحرف، كما يرى في الآخرة ذاته بلا كمٍّ وكيف، وهذا على مذهب من يجوِّز تعلق الرؤية والسماع في كل موجود حتى الذات والصفات، لكن سماع غير الصوت والحرف لا يكون إلا بطريق خرق العادة.

وثانيها: أنه سمعه بصوتٍ من جميع الجهات على خلاف ما هو العادة [1] .@

(1) مجرورة بإضافة (حجاب) إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت