وثالثها: أنه سمع من جهةٍ لكن بصوت غير مكتسب للعباد على ما هو شأن سماعنا.
وحاصله: أنه أكرم موسى (عليه السلام) فافهمه كلامه بصوت تولّى تخليقه من غير كسب لأحد من خلقه، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو منصور الماتريدي والأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني.
قال الأستاذ: اتفقوا على أنه لا يمكن سماع غير الصوت إلا أن منهم من بتَّ القول بذلك، ومنهم من قال: لما كان المعنى القائم بالنفس معلومًا بواسطة سماع الصوت كان مسموعًا، والاختلاف لفظي لا معنوي.
قال الإمام ابن الهمام: كون الكلام النفسي مما يسمع قول الأشعري قياس على رؤية ما ليس بلونٍ، واستحاله الماتريدي وهو الأوجه؛ لأن المخصوص باسم السمع من العلم ما يكون إدراك صوتٍ، وإدراك ما ليس صوتًا قد يخص بالرؤية، وقد يكون له الاسم الأعم أعني العلم مطلقًا.
وإذا أحطت بالتفصيل عرفت أن أشار إليه الإمام أعدل الأقاويل، وأن القول بدلالة كلامه على سماع نفس الكلام الأزلي صريحًا، أو على أنه سماع روحاني لكلامٍ معنوي، وردّ حمل الحجاب على توسط الحروف والاصوات بكونه غير ظاهر أوهام في المقام.
الوجه السادس: أن كلامه تعالى لو كان صفة له لما اختلف في الفضيلة، ولما كان له ابعاض، وقد ثبت فضيلة البعض بالأحاديث المشهورة كما في الإرشاد، وأشار إلى جوابه بالمنع والحل.
(ص) : (قال في الفقه الأكبر: وآيات القرآن في معنى الكلام كلها مستوية في الفضيلة إلا أن لبعضها فضيلة الذكر، وفضيلة المذكر مثل آية الكرسي؛ لأن المذكور فيها جلال الله وعظمته وصفاته، فاجتمعت فضيلتان: فضيلة الذكر، وفضيلة المذكر، وأما في قصة الكفار ففضيلة الذكر فحسب، وليس للمذكرة فضيلة وهم الكفار وكذلك الأسماء والصفات كلها مستوية في العظم والفضل لا تفاوت بينها) .
(ش) : و (قال في الفقه الأكبر: وآيات القرآن في معنى الكلام) : أي في معنى كونها كلام الله تعالى (كلها مستوية في الفضيلة) ، فإن الكلام فيه جهات: جهة إضافته إلى متكلمه، وجهة إضافته إلى مدلوله.
أما الإضافة إلى متكلمه فالآيات والسور جميعًا مستوية في الفضيلة من هذه الجهة؛ لأن المتكلم بجميعها هو الله تعالى، والأقوال المحكية فيه من حيث اختلاف المدلولات اللغوية الدالة على الكلام النفسي والصفة الأزلية، والاختلاف من هذه الجهة في الفضيلة لا@