من صفاته بلا كيفٍ، وقوله: ولا يُقال غضبه عقوبته ورضاه ثوابه، وهم تمسكوا بأنه لما امتنع حملها على معانيها الحقيقية لمنع البراهين القطعية وعدم جواز التأويل عند الاحتمال على الظواهر النقلية، ولم توضع لصفات أُخرى مجهولة بل لا يجوز وضعها؛ لما لا يتعقله المخاطب؛ لفوت المقصود من الوضع، فتعين التأويل والحمل على المجاز، فيحمل على المجازات التي تعقل وتثبت بالدليل، كما في الأبكار والمواقف (( في المقصد الثامن في الصفات ) )، كاليد واليمين مجاز عن القدرة، والوجه عن الوجود، والعين عن البصر، والاستواء عن الاستيلاء، وغير ذلك.
والمراد باليدين: كمال القدرة، وتخصيص آدم به تكريم له، وبالجريان بالأعين: الجريان بالمكان المحوط بالحفظ واجتباؤه، وبالنزول: برّه وعطاؤه، وبالمجيء: حكمه وقضاؤه، وبالضحك: عفوه وارتضاؤه.
وإنما قالوا بالمجاز نفيًا لوهم التجسيم والتشبيه بسرعةٍ، وإلا فهي تمثيلات وتصويرات للمعاني العقلية بإبرازها في الصور الحسيِّة، كما في شرح المقاصد.
وذهب بعض الماتريدية والأشعرية إلى التفصيل، فقالوا بالتأويل إن كان المعنى الذي أوّل به قريبًا مفهومًا من تخاطب العرب، واختاره الإمام ابن عبد السلام والإمام تقي الدين بن دقيق العيد.
واختار صاحب الكفاية والتسديد والإمام ابن الهمام التأويل فيما دعت الحاجة إليه؛ لخللٍ في فهم العوام، لكنه قال: لا يجزم بإرادته خصوصًا على قول أصحابنا إنها من المتشابهات، وحكم المتشابه انقطاع رجاء معرفة المراد منه في هذه الدار، وسيأتي الإشارة إليه.
الثالثة: الرد على المشبّهة ممن شبهه تعالى بالمخلوقات، وإليه أشار بنفي الكيفية والتشبيه، وهم الحشوية والكرّامية حيث ذهبوا إلى إثبات الجوارح الجسمانية والتحيّز والانتقال والانفعالات النفسانية في حقّه تعالى شأنه، وأنه على صورة نور من الأنوار، أو إنسان شاب مختص بما فوق العرش ملاق له، أو مباين على اختلاف بينهم في تفاصيله.
قال محمد بن كرّام: تعالى في جهة ككون الأجسام فيهان بأن يكون بحيث يُشار إليه أنه ههنا أو هناك، وأنه مماسٌ للصفحة العليا من العرش، ويجوز عليه الحركة والانتقال وتبدل الجهات.
وقال محمد بن الهيصم منهم: ليس كونه في الجهة ككون الأجسام فيها، متمسكين في ذلك بوجوهٍ: @