عدم دخولهم في المحاجة بالتوغل والمشقَّة بعدم الاحتياج، حيث لم يستمر في زمنهم البِدَع والأهواء، ولم يعدر أصحابها على التمادي في الاستطالة واستحلال الدماء، وإلى ممنع تركهم البحث فيها أصلًا، بل تركوا التوغل والتكلف، فإنه لما ظهر في أواسط عصرهم أوائل أهل الأهواء من الخوارج والشيعة والقدرية كشفت فقهاء الصحابة عن شبههم بالحجج الساطعة، وبيَّنوا العقائد الحقّة بالبراهين القاطعة، وقمعوا مادة الأهواء، واستأصلوا المصرِّين المتحزبين منهم بالإفناء، فإن أمير المؤمنين عليًّا رضي الله عنه كشف عن شبهة الخوارج في مسألة التحكيم، والوعد، والوعيد، وحاجهم فيه كما في التبصرة البغدادية، ولما أصرُّوا وتحزَّبوا بالنهروان استأصلهم بالإفناء، فما انفلت منهم إلا أقل من عشرة، تفرَّقُوا في البلاد، فظهر منهم بدعتهم في عصرهم، كما في النّحل الشهر ستانية، واستتاب عبد الله بن سبأ رئيس الشيعة العائلة بالحلول في الإمام، ونفاه إلى المدائن كما في شرح المواقف والنّحل، واستتاب القائلين بالقدر وبكون الاستطاعة من العبد، كما في تاريخ الإمام ابن عساكر والجامع الكبير للسيوطي، وحاجهم فيه وفي المشيئة والاستطاعة كما في التبصرة البغدادية، وكذا ابنه الحسن رضي الله عنه، وله رسالة في رد القدرية كما في أوائل شرح المشكاة للشيخ علي القاري، وكذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كما في التبصرة، وعبد الله بن عباس في مناظرته مع الفريقين حتى قال: كلام القدرية كفرٌ، وكلام الحرُوريَّة ضلالٌ، وكلام الشيعة هلاكٌ، كما في سِيَر التتار خانية.
وناظر أبو موسى الأشعري من قال: كيف يقدِّر عليَّ شيئًا ثم يعذبني عليه؟! حيث قال: قدَّر حيث علم، وعذَّب حيه لم يظلم؛ كما في شرح جمع الجوامع للإمام ولي الدين العراقي والنّحل الشهر ستانية.
وروى الحافظ أبو بكر البزار في مسنده عن عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله، عن أبيه، عن جده:
(( أنه تناظر أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما في القضاء والقدرِ وتحاكما إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقضَى بأنَّ القدر كله من الله تعالى، كما قال أبو بكر رضي الله عنه [1] ) ، وذكره في سِير الظهيرية، وكذلك في أواسط عصر التابعين، فقد ناظرهم من التابعين (( زيد بن علي بن الحسين ) )، وله رسالة في رد القدرية و (( عمر بن عبد العزيز ) )، وله أيضًا رسالة فيه، وقد استتاب غيلان الدمشقي من دعاة القدرية، وجعفر بن محمد الصادق، وله رسائل في@
(1) ) لم أقف عليه هكذا.