الصفحة 175 من 285

مشروطة بزيادة قوة إدراكية في الباصرة تُخلق في بعض الأزمان في الجنة، وإليه أشار بقوله: (في الآخرة) ، ولا يلزم كون جبال شاهقة وبحار هائلة بحضرتنا ولا نراها؛ للعلم الضروري بانتفائها في العادات وإن كان ثبوتها من الممكنات.

وفيه إشارات:

الأولى: أن العدول عن الدليل العقلي المشهور بين الجمهور وهو: أنّأ نرى الجواهر ولأعراض ضرورةً ووفاقًا، فلا بدّ لصحة رؤيتهما من علّة مشتركة.

وهي: إما الوجود أو الحدوث، وهو عدمي لا يصلح للعلية، فتعين الوجود وهو مشترك بينهما وبين الواجب، فيلزم صحة رؤيته إلى ورود المنع عليه؛ إذا لا يسلم وجوب تعليل الأحكام المشتركة بعلل مشتركة؛ لجواز تعليل المشتركات بالمختلفات، ولأنه منقوض بصحة المخلوقية والملموسية المشتركة بين الجواهر والأعراض، ولا مشترك بينهما يصلح علة لذلك سوى الوجود، فيلزم صحة ذلك في الواجب تعالى وهو محال؛ لأن الوجود عين الذات كما مرّ، إلا أن يقال: إنّ متعلق الرؤية لا يجوز أن يكون من خصوصيات الجوهرية والعرضية، بل يجب أن نكون مما يشتركان فيه للقطع، بأنا قد نرى الشيء وندرك له هويّةً ما من غير تفصيل لما فيه من الجواهر والأعراض، ثم قد نفصله إلى ما له من تفاصيل الجوهر والعرض، وقد نغفل عن التفاصيل بحيث لا تعلمها عندما سُئلنا عنها، وإن استقصينا في التأويل فنعلم أن ما يتعلّق به الرؤية هو الهوية المشتركة لا الخصوصيات التي بها الافتراق، وهذا معنى: كون علة صحة الرؤية مشتركة بين الجوهر والعرض.

وأن صحة المخلوقية والملموسية عبارة عن إمكان كون الشيء مخلوقا وملموسًا، ولإمكان من الاعتبارات العقلية التي لا تقتضي علّة؛ إذا ليست مما يتحقق عند الوجود وينتفي عند العدم كصحة الرؤية، وأن البناء على اشتراك الوجود إلزامي على القائل به.

وقال في المواقف: مفهوم الوجود مشترك بين الموجودات كلها عند كلها عند الأشعري أيضًا، والاتحاد الذي ادعاه أراد به أن الوجود ومعروضة ليس لهما هويتان متمايزتان بأن يقوم إحداهما بالأخرى، كالسواد بالحسم، فلا منافاة بين كون الموجود عين الماهية بالمعنى الذي صوّرناه وبين اشتراكه بين الموجودات كلها.

ولأكثرون توهموا أن ما نقل عنه من الوجود عين الماهية ينافي دعوى اشتراكه بين الموجودات؛ إذا يلزم منها كون الأشياء كلها متفقة بالحقيقة، وهو لا يقول به عاقل كما في شرح التجريد للفاضل القوشجي. @

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت