الثانية: أن عدم التعرض لرؤية تعالى في المنام لعدم ثبوته بثبوت قطعي يتوقف عليه الإثبات في المقام، ولم يثبت عن الإمام ما عنه من رؤيته في المنام.
واستحالة الإمام أبو منصور الماتريدي والقاضي أبو بكر الباقلاني، واختاره حقيقة، متمسكين بأن المرئي في المنام مثال ينزّه عنه الصانع المتعال.
وجوّز بعض الأئمة كصاحب الكفاية والاعتماد بلا مثال ولا كيفية حقيقة، متمسكين بأنّ ما يقع في الآخرة من المشاهدة جاز أن يقع في المنام لبعض العباد بالمشاهدة الروحانية.
وبما روى الترمذي، وأحمد بن حنبل، والدارمي، والطبراني، وحمهم الله تعالى عن بن عباس، ومعاذ بن جبل، وعبد الرحمن بن عائش، رضي الله عنه تعالى عنهم عنه-صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (( رأيت ربّي في منامي في أحسن صورة، فقال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى ... الحديث [1]
قال الإمام ابن حجر الهيتمي في شرح المشكاة: المراد بالصورة: الصفة والمعنى في أحسن إكرام ولطف، وأن الرائي قد يرى في النوم غير المتشكل متشكلا وعكسه، وليس من خلل في الرؤيا ولا في الرائي، بل من أسبابٍ مذكورة في علم التعبير ولولاها لما افتقرت رؤيا الأنبياء إلى التعبير.
قال الآمدي: الحق أنه لا مانع من هذه الرؤيا وإن لم تكن رؤية حقيقة.
وفي شرح المقاصد: أن الرؤية في المنام قد حُكي القول بها عن كثير من السلف.
ولمّا لم يتعرض له الإمام لعدم القاطع في طرفي المقام، قال الأمام قاضيخان: إن السكوت فيه حسن، فالقول بأنه غير مستحسن غير مستحسن.
الثالثة: أنه اكتفى الإمام بدفع شبههم العقلية عن دفع متمسكاتهم السّمعية؛ لظهور اندفاعها عيد تحقيق الأدلة، وما تمسكوا به منها وجوه:
الأول: قوله تعالى: (( لاَ تُدْرٍكُهُ الأَبْصارُ ) ) [الأنعام:103] ، فإن إدراك البصر هو الرؤية أو لازمها، نُفي على سبيل العموم؛ لأن اللائق بالمقام والشائع في الاستعمال في مثله عموم السلب بإسناد النفي إلى الكل، لا سلب العموم بنفي الإسناد إلى الكل، ثم سوق الكلام للتمدح بذلك فيكون نقيضة نقيصة فيمتنع.
وأجيب: بأنه لو سَلِم العموم في الأشخاص والأوقات، فإدراك البصر رؤية على وجه@
(1) رواه الترميذي (5/ 366) ، وأحمد في المسند (5/ 343) ، والدارمي في السنن (2/ 170)