المجاراة، وبيان ثبوت المطلوب على تقدير تسليم بعض المقدمات لإفادته في الإلزاميات، وإلا فليس هو مذهب أئمتنا الأثبات كما ظنَّ من قصر النظر على ظاهر الكلمات.
فالحاصل: أنّ التكوين ليس بمعنى التأثير، بل صفة حقيقية بها التأثير ولإيجاب ألبتة عند تعلق الإرادة والاختيار، كما دلّ الصفات المشتقات، وإليه أشار الأزلية، وعدم المخلوقية والمغايرة للمخلوق في المآل.
فإذا أحطت بفحوى المقال عرفت اندفاع وجوده من الدفع والإشكال عُدَّت صعابًا في ظاهر الحال:
الأول: ما قيل نقول لهم: إن عنيتم نفس مؤثرية المقدور فهي صفة نسبية، والنسب لا توجد إلا مع المنتسبين، فيلزم من حدوث المكون حدوث التكوين، وإن عنيتم به صفة مؤثرة في صحة وجود الأثر فهي عين العدرة، وإن عنيتم به أمرًا ثالثًا فبيّنوه.
الثاني: ما قيل انه لا يعقل من التكوين إلا الإحداث، وإخراج المعدوم من العدم إلى الوجود، كما فسّره القائلون بالتكوين الأزلي، ولا خفاء في أنه إضافة يعتبرها العقل من نسبة المؤثر إلى الأثر، فلا يكون موجدًا عينيًا ثابتًا في الأزل، وأنه لو كان أزليًّا لزم أزلية المكونات ضرورة امتناع التأثير بالفعل بدون الأثر، وأنهم أطبقوا على إثبات أزليته ومغايرته للقدرة، وكونه غير المكون، وسكتوا عما هو أصل الباب، أعني: مغايرته للقدرة من حيث تعلقها بأحد طرفي الفعل والترك، واقترانها بإرادته.
الثالث: ما قيل اغترارا بذلك: أن ما ذكروه لا ينفي ما قاله الأشاعرة من أنه على تفاصيله ليس سِوَى صفة القدرة باعتبار تعلقها بمتعلق خاصٌّ، ولا يوجب كونه صفة أخرى لا ترجع إلى القدرة المتعلقة والإرادة المتعلقة، ولا يلزم من دليل لهم ذلك، بل في كلام أبي حنيفة رحمه الله تعالى ما يفيد أن ذلك على ما فهم الأشاعرة على ما نقله الطحاوي بقوله [1] : (( له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالقية ولا مخلوق ) )، كما أنه (( محيي الموتى ) )استحقَّ هذا السم قبل إحيائهم، كذلك استحقّ اسم (( الخالق ) )قبل إنشائهم ذلك بأنه على كل شيء قدير، فإنه تعليل وبيان لاستحقاق اسم الخالق قبل المخلوق؛ بسبب قيام قدرته عليه في الأزل انتهى.
بل هو مع ما بعده من قوله: وكل شيء إليه فقير، وكل أمرٍ عليه يسير، تعليل وبيان لكونه تعالى موصوفًا بصفات الأفعال الدالة على الكمال، وبصفات الذات من كونه@
(1) انظر متن الطحاوية (ص 17) ، شرح الطحاوية (ص 136) .