الصفحة 189 من 285

البخلاء، وأن منع اللطف نقض للغرض من الأمر، وهو قبيح نجب تركه.

الرابعة: عدم وجوب إثابة المطيع والتعظيم، كما زعمت المعتزلة [1]

الخامسة: عدم وجوب عقاب العاصي عليه تعالى، كما زعم جميع المعتزلة تمسكا بأن إلزام المشاق من التكاليف بدون منفعة تقابلها ظلم، وإنه منزّه عنه، فلا بدّ من الثواب، وسبب وجوب الفع إنما هو دفع المضرّة، وإلا لوجوب جميع الطاعات، فيلزم استحقاق العقاب على تركه ليحسن الإيجاب، وإنّ عدم وجوبهما يفضي إلى التواني في الطاعات والاجتراء على المعاصي؛ لأن النفس لا تميل إلى الطاعات المخالفة لهواها إلا بعد القطع بلذات تربّى عليها، ولا تنزجر عن الشهوات غلا مع القطع بآلام تترتب عليها، وبأن الآيات والأحاديث كثرت في تحقق الثواب والعقائب يوم الجزاء، فلو لم نجب وجاز العدم لزم الخلف والكذب، وأشار الإمام إلى إثبات المرام، والجواب عن شبه المخالفين في المقام بوجوهٍ:

الأول: ما أشار إليه بقوله في الفقه الأكبر: (و) الله (يهدي) : أي يخلق الاهتداء من الإيمان والطاعة، كما دلّ الإطلاق في (من شاء) الله من عباده لحسن اختياره، (فضلا منه) وإحسانا عليه، بتوفيقه لذلك وتيسير أسبابه، من غير وجوب رعاية الأصلح واللطف عليه، (ويضل) : أي يخلق الضلالة من الكفر والمعصية، كما دلّ الإطلاق في (من يشاء) الله ضلالته من عباده لقبح اختياره، (عدلًا منه) ، ومجازة على سوء اختياره من غير وجوب العقاب عليه تعالى وبيّن كونه عدلا منه على عبده مجازاة على سوء اختياره مع إلزام المخالفين فيه بما اعترفوا به بقوله: (وإضلاله) للعبد يلزمه (خذلانه) ، فهو تفسير باللازم؛ لأن الإضلال بمعنى خلق الضلالة عند أهل السّنة كما أشار إليه في: (فصل خلق الأعمال) حيث قال ي قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] ، فما بقي في العالم شيء إلا وهو داخل فيه، وصرّح به في شرح المقاصد وغيره، ويلزمه الخذلان، وبمعنى الخذلان عند المعتزلة كما في الكشاف والتبصرة، (وتفسير الخذلان) اتفاقا كما هو المتبادر (ألا يوفق العبد) ، ولا يهيئ له أسباب الخير، ولا يعينه (على ما يرضاه عنه) ؛ لاختيار العبد ضد ما يرضاه، (وهو) : أي عدم التوفيق على ما رضاه عن العبد من الطاعة؛ لسوء اختياره (عدل منه تعالى) اتفاقا.

فإضلاله المستلزم خذلانه عدلٌ منه تعالى على العبد، جزاء لسوء اختياره، (وهو) : أي@

(1) انظر: الملل والنحل (93) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت