الصفحة 190 من 285

العدل كما ثَبُت بالنصوص منه تعالى (عقوبة المخذول) : أي عقابه (على) قدر ما اكتسبه المخذول من (المعصية) ، سواء كان اكتسابه بالجوارح أو القلب، كالعزم على المعصية كما دلّ الإطلاق فإنه يؤاخذ به عند عامة السلف، كما قال الباقلاني والقاضي عياض؛ لقوله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] ، كما في فتح الباري وغيره، وفي شرح البخاري للكرماني، وفي الآية دليل لما عليه الجمهور أن أفعال القلب إذا استقرّت يًؤاخذ بها، وقوله-صلى الله عليه وسلم-: (( إن الله تجاوز لأمتي ما حدّثت به أنفسها ما لم يتكلموا ويعملوا به [1] ) محمول على مالم يستقر، وذلك معفوّ عنه بالاتفاق؛ لأنه لا يمكن الانفكاك عنه خلاف الاستقرار.

فأشار إلى منع وجوب اللطف، ورعاية الأصلح للعباد عليه تعالى مستندا بأنه لو وُجب عليه لما خلق الضلالة في أحد منهم، ولما وجد كافر وفاسق ومبتلى حيث لا نوجد فيهم أقصى اللطف، وقد قالوا بإيجابه، فلا يندفع بأن الكلّ لا يخلو عن لطف يتفاوت بالنسبة إليهم.

وإليه أشار بقوله: (ويضل من يشاء عدلا منه) ، وإلى منع وجوب عقاب العاصي عليه تعالى، فإنه إن أريد بالواجب ما لا بدّ من فعله؛ لقيام الدّاعي وانتفاء الصارف، فهو مضادٌّ لتمكّنه من الترك، فلا يكون مختارا تعالى عن ذلك، وإليه أشار بتعليق الهدانة والإضلال بمشيئته تعالى، وإن أُريد أنه يفعله ألبتة ولا يتركه، وإن كان جائزًا في نفسه، كما في العاديات على ما اختاره متأخرو المعتزلة، فهو مجرد تسمية مع اجتراء على ما يوهم النقص عليه تعالى، وإلى انهم مناقضون في إيجاب الأصلح وغاية مقدور الألطاف، والقول بالعدل في ترك التوفيق ومنع الألطاف، فهو آكد إلزام خفي بيانه على أقوامٍ.

وفيه إشارات:

الأولى: أن القبح إنما هو في اختيار المعصية والضلالة دون خلقها، بل هو من العدل والمجازاة.

وإليه أشار بقوله: وهو عقوبة المخذول على المعصية.

الثانية: أن بين التوفيق والخذلان تقابل العدم والملكة، وإليه أشار بالتفسير وحمله على التفسير باللازم، وجعْل التقابل التضاد، كما ظنّ عقول عن المذهب؛ إذ ليس الخذلان عند@

(1) رواه البخاري (6/ 2454) ، ومسلم (1/ 116) ، وأبو داود (2/ 264) ، والنسائي (3/ 360) ، وأحمد (2/ 474) ، وابن ماجه (1/ 658) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت