إنما هم يطلبون منه الخير فغذا فعلو ذلك فحقهم عليه ان يغفر لهم ويثيبهم عليه).
(ش) : الثاني: أشار إليه بقوله: (وقال في الفقه الأبسط: والله الغنى لا يطلب عن احتياج) ؛ فإنه الغنى عن العالمين، (من العباد شيئًا) من الطاعات لغرضٍ وحاجةٍ، ولا يفي بشكر نعمه الطاعات القولية والفعلية والمالية، (إنما هم يطلبون منه الخير) ؛ لاحتياجهم إليه تعالى، فكما أنّ الغنى لازم ذاته لا يفارقه كذلك الاحتياج للعباد إلى ما عنده من الخير.
وفيه إشارات إلى مسائل:
الأولى: أن إلزام التكاليف الشاقة على العباد ليس للاحتياج بل لفضله تعالى على العباد، وإليه أشار بتقييد نفي الطلب بالاحتياج، مشيرًا إلى أن الطلب منهم ليحصل لهم تطويع النّفس الأبيّة عن الانقياد، وتجريدها عن الشهوات النفسانية؛ ليفوزوا بالسعادات الأبدية، كما أُشير بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] كما في شرح النونية.
الثانية: أن تعليل الإيجاب بالمنفعة ورفع الضرر مبنيّ على كون أفعاله تعالى وأحكامه معللة بالأغرض، وهو فاسدٌ لاستلزام كونها علة لعليّة الفاعلية، والاحتياج إليها في العلية، والله الغني عن العالمين [1]
وإليه أشار بقوله: (إنما هم يطلبون منه) .
الثالثة: أن العبادة حقٌّ الله على العباد شكرًا للنعم والألطاف، فلا تكون الألطاف واجبة عليه تعالى، وغليه أشار باقتباس الحديث المشهور عن معاذ، وحذيفة بن اليمان، وأنس، وأبي هريرة رضي الله عنهم، بتخريج البخاري، وأحمد بن حنبل، والبزار، وابن عساكر، رحمهم الله تعالى، بقوله: (وحق الله عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاَ [2] .
لأن نعمة الوجود والسّلامة وما يترتب عليها من النعم المترادفة العامة الشاملة لأصناف اللطف، والأصلح سبب لإيجاب الشكر بالتوحيد والعبادة، فهي حقٌّ واجب الله في ذمم الناس، لا انفكاك لهم عن أدائه والخروج عن عهدته، كما يشعر ته الحق، ولو وجب عليه تعالى اللطف للعباد ورعاية الأصلح لهم لما وجب على العباد شكره؛ لكونه أداء للواجب عليه، كمن يؤدي دينًا لازمًا عليه، وهو باطلٌ اتِّفاقًا، (فإذا فعلوا ذلك) المذكور من@
(1) انظر: المواقف (3/ 295) .
(2) رواه الطبراني في الكبير (20/ 174) .