التوحيد والعبادة (فحقهم) : أي الثابت لهم (عليه) بمقتضى وعده من فضله (أن يغفر لهم) ؛ لقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] ، وقوله: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31] ، (ويثيبهم عليه) : أي على ذلك المذكور بمقتضي الوعد بقوله تعالى: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30] وأمثاله.
وفيه إشارات:
الأولى: أن شمول الوعد للطاعات، والوعد للمعاصي، وغلبة ظن الوفاء بهما يكفي في الترغيب والترهيب، ومجرد جواز الترك غير قادحٍ.
وإليه بقوله: (فإذا فعلو ذلك فحقهم عليه أن يغفر لهم ويثيبهم عليه) ، مع أن الثابت بالنصوص الوقوع، وهو لا يستلزم الوجوب عليه تعالى، فنعمل بمقتضى النصوص الواردة في ثواب المطيع، ونقول بوقوعه لمن عمل بها، لما أن الخلف في الوعد نقص يجب تنزيه الشارع عنه.
وأما النصوص الواردة في عقاب العاصي فنعمل بموجبها، ونقول بوقوعه فيمن تعلّق إرادته ومشيئته بعقابه؛ لئلا نتعطّ قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] ، فلا يلزم وجوب الثواب والعقاب، ولا الخلف في الوعد ولا الوعيد، كما في شرح النونية وسيأتي تفصيله.
الثانية: أن الأعمال لو كانت سببًا موجبًا للإثابة والعقاب لما تخلف، واللازم باطل لثبوت العفو والمغفرة في البعض، كما في التوبة انفاقًا، وثبوت الهدم والإحباط عمّن عاش على الكفر ثم آمن، أو على الإيمان ثم كفر، واشتراط الموت على ذلك للاستحقاق يبطل الاستحقاق أصلًا؛ لعجم الشرط عند تحقق العلة، وانقضاء العلة عند تحققه، كما في شرح المقاصد. وإليه أشار بقوله: (فحقهم عليه أن يغفر لهم) .
الثالثة: منعه للنص الدالّ على تكفير الصغائر بالعبادات، وعلى ما لا تستلزمها الأعمال من المغفرة؛ لعدم استلزامها بالإيجاب وفاقًا، فهو محض فضله، فكيف يتصور الظلم أو البخل في حقه؟!
(ص) : (وقال في رواية محمد رحمه الله تعالى: قال عطاء بن ابي رباح: لو عذّب الله أهل سمواته وأهل أرضه لعذّبهم وهو غير ظالم لهم؛ أليس دلهم على الطاعة وألهمهم إياها وصبرهم عليها، أما هذه نعم أنعم الله بها عليهم؟ فلو طالبهم بشكر هذه النعم ما قدروا@