عليه وقصّروا، وكان له ان يعذبهم بتقصير الشكر وهو فير ظالمٍ لهم).
(ش) (و) الثالث: ما (قال في رواية محمد رحمه الله تعالى) ، وفي مسند الحارثي والخوارزمي، (قال عطاء بن ابي رباح) المكي القرشي، سمع ابن عباس، وابن عمر، وأبا هريرة وأبا سعيد الخدري، وجابر رضي الله تعالى عنهم، روى عنه الجماعة كما في تاريخ البخاري، وهو من شيوخ الإمام قال في حقِّه: ما رأيت أفضل منه كما في الميزان للذّهبي، ولذا نُقل عنه هذا البرهان: (لو عذَّب الله أهل سمواته) الملائكة المطيعين في جميع ما يؤمرون، (وأهل أرضه) من المطيعين والعاصين أجمعين، كما دلّت الإضافة حيث لا عهد (لعذّبهم وهو ظالمٍ لهم [1] ، في ذلك، ولا واضع للشيء في غير موضعه بخلوّه عن عاقبة حميدة،(أليس دلهم على الطاعة) بالآيات التكوينية والتنزيلية، (وألهمهم إياها) بتركيب العقول والإقدار على الاستدلال، وكشف حُسن الطاعة على قلوبهم، (وصبرهم عليها) بتوفيقهم للطاعة، وتوطين قلوبهم عليها، المشار إليه بإنزال السكينة، (أما هذه) الأمور (نعم) جليلة وإحسانات موصلة إلى جزيل الكرامات (أنعم الله بها عليهم؟) من غير سبق لاستحقاقهم، ومن غير وجوب عليه تعالى اتفاقًا! (فلو طالبهم بشكره هذه النعم) الواجب عليهم بإطباق العقل والنقل (ما قدروا عليه وقصّروا) .
وفيه إشارة إلى أن كل ما يفعله العبد من الطاعات لا يكافئ نعمة حياته المقارنة لها، ولا نعمة أقداره إياه على أدائها، وغيرها من النعم السابقة؛ لكثرتها وعظمها، وحقارة أفعال العباد، وقلتها بالنسبة إليها، قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: 18] ، فكيف يستحق عوضًا عنها في الآخرة فضلا عن الوجوب وتصوّر الظلم أو البخل في تركه، (وكان له أن يعذبهم بتقصير الشكر وهو فير ظالم لهم) ، فأشار إلى منع الظلم أو البخل مع منع اللطف، والأصح والعوض، فإنه كان عدلًا منه ومجازاة على التقصير في واجب الكر لا ظلمًا أو بخلًا أو نقضًا للغرض كما زعموا.
وفيه إشارات: الأولى: أنه تعالى لو منع الكفّار بعض المصالح ولألطاف لزم ترك الواجب والظلم على أصلهم، ويجب حينئذ سلب القدرة عنهم رأسًا؛ لكونه أصلح لهم، بل عدم إبقائهم على بلوغهم، والواقع خلافه.
وإليه أشار بقوله: (أليس دلّهم على الطاعة وألهمهم إيّاها وصبّرهم عليها، ومنه أخذ الأشعري إلزام أستاذه الجبائي، فقال له: لو أن صبيًّا مات رأى منزلة رفيعة لبالغ مسلم،@
(1) رواه ابن حبان (2/ 506) ، والبيهقي في الكبرى (10/ 204) ، والديلمي في الفردوس (3/ 369) .