فقال: يا رب لِمَ لم تدم حياتي حتى أبلغ فأجتهد مثله؟ قال: يقول الله تعالى له: لقد علمت أنك لو بلغت فكان الأصلح لك الموت في الصِّبا، قال: فينادي الكفار من دركات لظى: يا إلهنا لما علمت أناّ إذا بلغنا عصينا، فهلا أمتنا في الصبا، فانقطع الجبائي، فتاب الأشعري عن الاعتزال كما في المسايرة.
وهو أظهر مما في المواقف وغيره، أنه ناظره في ثلاثة إخوة: مات أحدهم مطيعًا، والآخر عاصيا، والثالث صغيرا، وألزمه في قول العاصي: يا رب لِمَ لم تمتني صغيرا؟ لئلا أعصي لك أمرًا فلا أدخل النار، لما يتخيّل أن لهم دفع الإلزام به، بأن إماتته للصغير في صغره للعلم بأنه لو بلغ لكفر وأضلّ غيره، فإماتته لمصلحة الغير، سيما إذا كان الغير كثيرًا،؛ لظهور رجحانه، وليس في إبقاء العاصي ذلك، كما تصدّى أبو الحسين لدع الإلزام به عن شيخه الجبائي بعد أربعة أدوار أو أكثر، لكنه تحكم كما في التفسير الكبير، ويلزمهم منع النفع عمن لا جناية له لإصلاح غيرهن وهو ظلمٌ عندهم، فإن مذهبهم: وجوب الأصلح بالنسبة إلى الشخص لا بالنسبة إلى الكل من حيث الكل، كما ذهب غليه الفلاسفة في نظام العالم، كما في شرح العضدية وغيره، وأنه لو منعه لذلك فكيف لم يُمت قبل البلوغ فرعون وزردشت وغيرهما من المضلين!؟ لإصلاح كثير من العالمين كما في التبصرة وشرح المقاصد.
فلا وجه لما قيل أن للجبائي أن يقول: الأصلح واجب على الله إذا لم يوجب تركه حفظ أصلح آخر موجه بالنسبة إلى شخصٍ آخرٍ، فلعله كان إماتة الأخ الكافر موجبة لكفر أبويه وأخيه؛ لكمال الجزع على موته، فكان الأصلح لهم حياته، فلما حفز هذا الأصلح وجب فوت الأصلح له، ولعله كان في نسله صلحاء كان الأصلح لهم إيجادهم، فلرعاية الكثيرين فات الأصلح له، ولما كان الخذلان في سلب الإيمان يتراءى منافيًا لما قرره من البيان تعرض لدفعه [1]
الثانية: أنه تعالى لو عذّبهم جميعًا على تعصيرهم لكان حسنًا مترتبا عليه عاقبة حميدة، لكنه تركه إلى أحسن منه وهو عفوه من فضله.
الثالثة: أن أصل البرهان مرو ي مرفوعا أو موقوفا، رواه أحمد بن حنبل، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، وأبو يعلى، والطبراني، والطيالسي، والبيهقي، والضياء المقدسي، وعبد بن حميد، رحمهم الله تعالى عن ابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وريد بن ثابت، @
(1) انظر: الواقف (3/ 140) .