الصفحة 196 من 285

وحذيفة بن اليمّان، رضي الله عنهم عنه-صلى الله عليه وسلم-أنه قال: (إن الله لو عذّب اهل سمواته، وأهل أرضه لعذّبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكنت رحمته خيرا لهم من أعمالهم [1] ، لكنه لما كان من الآحاد الغير المفيدة في المقام لم يسنده عطاء، بل ـوردهه مبرهنًا مفيدا للإلزام.

(ص) : (وقال في الفقه الأكبر: خلق الخلق سليما من الكفر والإيمان، ثم خاطبهم وأمرهم ونهاهم فكفر من كفر بفعله وإنكاره وجحوده بخذلان الله إياه، وآمن من آمن بفعله وإقراره وتصديقه، كل ذلك بتوفيق الله إياه، ونصرته له، ولا يجوز أن نقول: يسلب الله الغيمان من عبدٍ مؤمن قهرا، ولكن العبد يدع الإيمان اختيارا، فإذا ترك فحينئذ يُسلب منه الشيطان) .

(ش) : الرابع: ما أشار إليه بقوله: (وقال في القفه الأكبر: خلق الخلق) : أي المخلوقين من الثقلين بدلالة الخبر، (سليما) : أي خاليا (من الكفر والإيمان) ؛ لأنهما ليسا من ذاتيات الأشخاص، ولا من لوازم تعيناتهم، و تقديم السلامة من الكفر إشعار بالاهتمام والأنسبية بالتفضل على الأنام في التكوين سليما من أكبر الآثام، (ثم خاطبهم) : أي أظهر تعلق الخطاب لهم بإرسال الرسل، (وأمرهم) بالإيمان والطاعات بتبليغهم، (ونهاهم) عن الكفر والسيئات بعد بلوغهم، وخلق القدرة الصالحة للأمرين فيهم، كما أشار إليه بثُمّ، و وترتيب الأمر والنهي، (فكفر) بعد نعمة السلامة (من كفر بفعله) : أي كسبه وسوء عزيمته، (وإنكاره) للحق بعد ظهوره بالآيات التكوينية والتنزيلية، (وجحوده) : أي نفي ما ثبت في جبلته من دلالة فطرته، كما أُشير إليه بقوله-صلى عليه وسلم-: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يمجِّسانه [2] ، بخذلان الله إياه: أي بسبب عدم توفيقه له،(وآمن من آمن بفعله) : أي كسبه من حُسن عزمه.

(وإقراره) بلسانه عند تمكنه، (وتصديقه) بقلبه وكلامه في نفسه، (كل ذلك) من فعله: أي عزمه، ومن إقراره وتصديقه (بتوفيق الله إياه، ونصرته له) بتسهيل ذلك له، وكشف حسنه على قلبه، وفيه إشارة على الإخذ من قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [التغابن: 2] : أي خلقكم خلقا بديعا حاويا لجميع مبادئ الكمالات، ومع ذلك فبعضكم مختار للكفر، كاسب له على@

(1) تقدم تخريجية.

(2) رواه البخاري (1/ 465) ، ومسلم (4/ 2047) ، وأبو داود (4/ 229) ، وأحمد (2/ 233) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت