فهرس الكتاب
حقه، والشقي من شقي في بطن أمه [1] ): أي قدر له الشقاوة في الرحم أمه، فهو من قبيل ذكر الكل وإرادة الجزء.
وفيه إشارات:
الأولى: بيان ان الأعمال أمارات وليست بموجبات.
وإليه أُشير بقوله: (( فالسعيد من وعظ بغيره ) )، فإن مصير الأمور في النهاية إلي ما جرى به القدر في البداية لكن لا يخرجه عن القابلية.
فتقدير السعادة له قبل أن يولد يدخله في حيز ضرورة السعادة، وكذا تقدير الشقاوة له لا يخرجه عن قابلية السعادة، كما دل عليه قوله صلى له عليه وسلم: (كلُّ مولود يولد علي الفطرة [2] ) ، وذلك لأن التقدير تابع للعلم التابع للمعلوم في الماهية، وهو صادر باختياره فكذا التقدير مقيد به، كما حققه العلامة ابن كمال بشا وغيره.
الثانية: أنه حديث مشهور، وإليه أشار بالاستدلال به في الاعتقاد، فإنه روى القدر المشترك منه سبعة عشر صحابيا: أمير المؤمنين عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وحذية بن أسيد، أبو ذر، وأبو الهريرة، والعرس بن عميرة، وعائشة، وغيرهم رضي الله عنهم، وروي عنهم بأكثر من نحو أربعين طريقًا كما سيأتي، وهو دل علي كتب الرزق والأجل مطلقًا: أي إثباته وتعيينه كما أراد الله سواء كان رزقه مباحا أولا، وأجله بقتلٍ أولا، متعلقًا للذم والعقاب للكاسب بسوء الاختياري والإقدام أو لا، كما دل الإطلاق.
الثالثة: ان الأجل ليس منه في صحيفة الملائكة غير ما في إرادة الله وعلمه، وعلى أنه واحد لا يجري فيه المحو والإثبات.
وإليه أشار بقوله: فيكتب ما يريد الله به، حيث دل على كتابة ما تعلقت به الإرادة على الاستمرار المدلول من الصيغة.
والرابعة: أن رزق كل أحد معين له لا ينتفع به غيره، ولا يملكه لغيره الا عند نفاذ انتفاعه به، وخروجه من رزقه كما في التبصرة، وإليه أشار بإضافة الرزق إليه، وأشار الي دفع تمسكهم بظواهر النصوص بقوله في رواية المذكورين:
(ص) : (وعليه) ما روى ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القدر إلا الدعاء، وإن الرجل ليحرم الرزق): @
(1) هذا حديث صحيح: رواه مسلم (4\ 2038) ، وابن ماجه (1\ 18) ، وابن حبان (14\ 52) .
(2) تقدم تخرجه.