إلى الجور أحب أهله وكان منهم وإذا مال إلى الحقِّ، وعرف أهله كان لهم وليًّا). (ش) الثالث: ما أشار إليه بعوله فيه: (مع أن الرجل) الواقف على الخلاف في العقائد (إذا كفَّ لسانه عن الكلام) في مختلف العقائد، كما قاله الحشوية ومن يحذوهم، وشنَّعوا على من بكلم (فيما اختلف فيه الناس) ، وظهرت فيه الأهواء وتصادم الآراء، (وقد سمع ذلك) الاختلاف منهم مع شبههم، (لم يطق) ولم يقدر (أن يكفَّ فلبه) عن الميل إلى أحد الطرفين المتباينين من الخلافيات أو إلى آخره؛ (لأنه لا بدّ) ولا فراق (للقلب) ؛ لكونه محل العقل كما سيأبي (أن يكره) : أي يعلف من جهة العقل أو الشرع كما في المفردات (أحد الأمرين) فيهما لرجحان أحدهما: (أو الأمرين جميعًا) ؛ لرجحان أمر ثالث عنده، (فإما أ، يحبهما) : أي يريد ما يراه أو يظنه خيرًا، كما في المفردات من الأمرين (جميعًا، وهما مختلفان) متباينان، (فهذا لا يكون) ولا يوجد جمع المتباينين، فلا بدَّ أن يميل قلبه إلى أمرٍ في ذلك، ولا يخلو من أن يكون جورًا أو عدلًا، (وإذا مال القلب) : أي عدل عن الوسط (إلى الجور) ، وهو اليل عن القصد في الطريق ثم جفل أصلًا في العدول عن كل حقٍّ، كما في المفردات، (أحب أهله وكان منهم) ؛ لاستلزام محبة قوم لاعتقادهم لذلك، (وإذا مال) القلب (إلى الحقِّ) : أي الاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، كما في المفردات، (وعرف أهله) : أي كونهم أهل الحق عن دليله كما مرَّ، (كان لهم وليًّا) : أي محبَّا؛ لأن المحبّة من ثمرة المعرفة على الحق في الغالب.
وفيه إشاراتٌ إلى مسائل [1] :
الأولى: أن معرفة أهل الحق في الاعتقاديات وموالاتهم متوقفة على معرفة الحق منها فيما اختلف فيه، وهي متوقفة على البحث والنظر وموالاتهم واجبة، فكذا ما يتوقف عليه ذلك.
الثانية: وجوب بيان مذهب أهل السُّنة؛ ليعرف أهلها، ويحب من اتصف به من المسترشدين، ورد مذاهب المخالفين؛ ليجتنب عنها كل أحدٍ، ويبغض الزائفين، فقد قال مشايخنا رحمهم الله تعالى: تعليم صفة الإيمان للناس وبيان خصائل أهل السُّنة والجماعة من أهم الأمور، وألَّف السلف فيها تآليفٌ كثيرةٌ كما في سِيَر الذخيرة والتتارخانية وأشار@
(1) ) انظر: تبيين كذب المفتري لا بن عساكر (ص 169)