فهرس الكتاب
أما نحن فلا نلتزمه بل نقول: لما يمكن جعل الحقيقية لخفائها مناطًا للتكليف؛ إذ لا شعور بها إلا عند الفعل فجعلت مظنته وهي السابقة الظاهرة مناطًا على وجهٍ يفيده؛ إذ يمكنه السعي إلي الإتيان بالمأمور به، ولا يلزم العقاب على الترك بدون القدرة، وذلك لن الحقيقية تصلح للضدين، كما هو منقول عن ابي حنيفة رحمه الله تعالى خلافا للأشعري؛ إذ لا يجب بهما الفعل بدون الاختيار: أي ترجيح الطرف المعين، فإذا تعلق التكليف بالسابقة فإن خلق الله الحقيقية فما وقّع العبد الفعل يُثاب، وإن لم يوقع يستحق العقاب، وإن لم يخلقها لا يصدر الفعل.
فالعبد إن لم يقصد أصلًا يستحق العقاب أيضًا لاختياره الترك، وإن قصد لكن لم يصدر لعدم الحقيقية فالمرجو الا يُعاقب، فعلم أن الاستحقاق العقاب إنما هو على تقدير أن يخلق الله القدرة الحقيقية، مع ذلك لم يوقع العبد الفعل، ولم يقصد الفعل أصلًا، فلا يلزم العقاب على الترك مع عدم القدرة، فإن قيل: هو لازم في الإيمان بدون الحقيقية فإنها غير زائدةٍ على ما هو مناط التكليف فيه؛ لأنها لو تُخلق فقصد العبد يُرجى ألا يُعاقب، قلنا: لا نسلم، أما من التحدي والمعجزة فالحقيقية على تصديق النبي فيما أتى به ثابتة، وأما الشّاهق ونحوه فلا يعاقب لا على ترك تصديق ما يدل عليه صريح العقل، كوجود الصانع، فإذ قصد التصديق حصل الإيمان بخلاف أفعال الجوارح؛ إذ لا يلزم من قصدها وجودها.
وقد اتضح بتحقيق: المرام من إشارات الإمام اندفاع وجوه من الإشكال في المقام:
أحداها: لزوم اجتماع المقدورين؛ لوجوب مقارنتهما لتلك القدرة المتعلقة بهما.
الثني: لزوم قدرة العصمة في الكافر، والخذلان في المؤمن، وكل منهما في وقتٍ واحد.
الثالث: لزوم اتحاد القدرة مع المغايرة ما نجده عند صدور أحد المقدورين عند صدور الآخر.
الرابع: لزوم تسليم كونها قبل الفعل في القول بصلاحيتها للضدين على البدل.
الخامس: لزوم تعلقها بالضدين بل المقدورين مع امتناعه ضرورة أن الشرائط المخصصة لهذا غير المخصصة لذاك، كما في شارح المواقف والمقاصد وغيرها.
فصل
لما استلزم توقف الفعل على الاستطاعة عدم لتكليف به بلا استطاعةٍ على المذهب المنصور بين عدم جواز التكليف بما لا يطاق، فيما رواه الإمام عبد الله الحارثي في@