فهرس الكتاب
النسفية في فصل صلاحية القدرة للضدين.
وصرّح به إمام الحرمين في الإرشاد حيث قال: فإن قيل: ما جوّزتموه عقلًا من تكليف المحال هل اتفق وقوعه شرعًا؟ قلنا: عند شيخنا ذلك واقعٌ شرعًا، فإن الرب تعالى أمر أبا لهب بأن يصدِّق محمدً، ويؤمن به في جميع ما يخبر عنه، وقد أُخبر عنه بأنه لا يؤمن، فقد أمره ان يصدقه بأنه لا يصدِّقه، وهكذا ذكر الإمام الرازي في (( المطالب العالية ) ).
وتحرير محل النزاع أن ما لا يُطاق عندهم إما أن يكون ممتنعًا لذاته، كإعدام القديم، وقلب الحقائق، وجمع الضدين، وإما أن يكون ممتنعًا لغيره بأن يكون ممكنًا لنفسه، لكن لا يجوز وقوعه عن المكلّف لانتفاء شرطه، كخلق الجسم، والصعود إلى السماء، أو لا يجوز وقوعه عنه لوجود مانع عنه من علم الله أنه لا يقع أو إخباره بذلك، ولا نزاع في وقوع التكليف بالقسم الأخير؛ لتكليف العصاة والكفّار، لكنه ليس تكليفًا بما لا يُطاق عندنا؛ لأن العبد قادرٌ على القصد وصرف الاختيار إليه، والإخبار بالشيء تابع للعلم به، التابع للمعلوم في الماهية، كما سيأتي الإشارة إليه.
وأما القسمان الأولان فجمهورهم على عدم وقوع التكليف به، والآيات ناطقة به، ويجوز التكليف به عند بعضهم، وقال بعضهم بجواز التكليف بالقسم الثاني دون الأول، وبعضهم بوقوع التكليف بما يرجع إلى القسم الأول، كما مرّ من (الإرشاد والمطالب العالية ) ) ، وذكره الآمدي وغيره، فلا إجماع على عدم التكليف به كما قيل، ولا ينحصر الجواز عندهم على الثاني، بل صرّح البيضاوي في (( مرصاد الأفهام ) )بأنه إنما النزاع في الممتنع لذاته، وليس منسوبًا إلى الأشعري؛ لقوله بعدم تأثير قدرة اعبد، وكون الاستطاعة مع الفعل والتكليف قبله كما قيل؛ لاستلزامه كون جميع التكاليف تكليفًا بما لا يُطاق، ولم يَقُل به أحدٌ، بل لثبوت تصريحه بذلك في كتاب (( النوادر ) )، والقول بأن تجويز التكليف به فرع تصوره، وأن من أصحابنا من قال به ينافي القول بأن كثيرًا من أدلتهم نصب لها في غير محل النزاع، وقد استدلوا عليه بوجوهٍ:
الأول: أنه لو لم يجز تكليف العباد ما لا يطيقونه لما جاز منهم سؤال دفعه، وقد جوّزه الله في قوله: {وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] ، كما في قواعد الغزالي، وإنما يُستعاذ عما وقع في الجملة.
الثاني: ما مرّ من (( الإرشاد ) )وغير من تكليف من أخبر أنه لا يؤمن، وأمره أن يؤمن بأنه لا يؤمن كأبي لهب. @