فهرس الكتاب
الثالث: أن الأمر بتحصيل الإيمان مع العلم بعدمه أمرٌ بجمع الوجود والعدم؛ لاستحالة وجود الإيمان مع العلم بعدمه ضرورة أن العلم يقتضي المطابقة، وذلك بعدم الإيمان كما في المطالب العالية، وأشار الإمام إلى إثبات المرام، والجواب عما تمسّك به المخالفون في المقام بقوله فيها: (و) الله (لا يعاقبهم) ، ولا يليق بحكمته أن يعاقبهم (بما لم يكن لهم أن يعلموا) ، ولم يتمكنوا من العلم به، (ولا يسألهم عمّا لم يعلموا) مما لم يُنصب دليله،
(ولا رضي لهم بالخوض) والدخول في التفكر (فيما ليس لهم به علم) ولا تَمكن منه، فضلًا عن التكليف به، (والله يعلم) في الأزل (بما نحن فيه) من الاختيار في إيقاع الفعل وتركه، فيتحقق الخلق بحسته لجري عادته تعالى على ذلك، كما بيّنه.
(ص) (وقال في الفقه الأكبر: يعلم من يكفر في حال كفره كافرًا، وإذا آمن بعد ذلك علمه مؤمنًا في حال إيمانه وأحبه ولا رضي الهم بالخوض فيما ليس لهم به علم) .
(ش) (وقال في الفقه الأكبر: يعلم من يكفر) بصرف قدرته واختياره إليه مع كونه مأمورًا بالإيمان، وصرف قدرته فيه (في حال كفره كافرًا) ؛ لعلمه بجميع الأشياء على ما هي عليه، (وإذا آمن بعد ذلك) بصرف اختياره إلى الإيمان المأمور به (علمه مؤمنًا في حال إيمانه وأحبه) في ذلك، فأشار إلى أن التكليف لا يتعلق إلا بما هو مقدور الوقوع في زمان وجوده وتحصيله، بمعنى ترتب العقاب على تركه، فإن العقاب لا يليق في الحكمة إلا على ما يتمكن العبد من العلم به وتحصيله والقدرة عليه، فلا يُكلف العباد ما لا يطيقونه، ولا يطلب دفعه على الحقيقة، وسؤال دفعه بمعنى طلب الإعفاء عما يشق أو عن العقوبة.
وإليه أشار بقوله: (ولا رضي لهم بالخوض فيما ليس لهم به علم) ، وإلى منع وقوع التكليف بمعنى ترتب العقاب على الترك بما لا يمكن ولا يعلم إيقاعه، كجمع النقيضين فلا تكليف به في تكليف أبى لهب بالإيمان؛ لأنه قبل الإخبار بعدم إيمانه مكلفٌ بالإيمان الإجمالي، فلا يلزم جمع النقيضين أصلًا، وكذا بعد الإخبار بعدم إيمانه؛ إذ غاية ما نزل في حقه: {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} [المسد: 3] ، وهو لا ينفي إيمانه؛ لجواز أ، يحمله على تعذيب المؤمن لفسقه، ولو سلم فوه كإخباره نوحًا بقوله: {لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} [هود: 36] ، وحينما علم ذلك وحقّت كلمة العذاب امتنع التكليف لعدم الفائدة، كما في (( مرصاد الأفهام ) )للبيضاوي، واختاره المحقق عضد الدين في شرح المختصر، وإلى أن علم الله بعدم الإيمان لا يمنع صرف قدرة العبد واختياره إليه، ويتعلق الأمر به بمعنى صرف القدرة والاختيار؛ لإمكانه في نفسه وصحة تعلق قدرته بالقصد @