فهرس الكتاب
فصل
لما فرغ من بيان ما يتوقف عليه العمل شرع في بيان كونه بخلق الله وتكوينه.
(ص) (وقال في الوصية: والعبد مع أعماله وإقراره ومعرفته مخلوقٌ، فلمّا كان الفاعل مخلوقًا فأفعاله أولى أن تكون مخلوقة) .
(ش) (وقال في الوصية: والعبد) : أي المملوك من المَلَك والإنس والجن (مع أعماله) : أي أفعاله المكتسبة المختارة، فإن العمل هو الفعل الصادر عن قصدٍ كما في المفردات، وقد يُعمم لما كان من أعمال الجوارح والقلوب كالمعرفة والتصديق، كما دلّ الإطلاق، وبيّنه بقوله (وإقراره ومعرفته) ، فالعبد مع جميع ما صدر منه، ومنه الإيمان (مخلوق) موجد بعد العدم بإيجاد الله تعالى، فوجود الفعل بخلق الله تعالى وكسب العبد، كما أجمع عليه السلف من الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم.
وإليه أشار بقوله: (مخلوق) وإضافة الأعمال إلى العبد، وخالف فيه المعتزلة والمجبرة. أما المعتزلة ورئيسهم واصل بن عطاء البصري، فإنهم خالفوا الاجماع وقالوا: العباد موجودون لأفعالهم الاختيارية.
وقال الجبائر منهم: خالقون لها فرد عليهم في ذلك، وأشار إلى تنويره بقوله: (فلمّا كان الفاعل مخلوقًا فأفعاله) الصادرة عنه بصرف قدرته المخلوقة فيه، كما دلّ الإضافة لكونها ممكنة في نفسها صادرة من المخلوق، (أولى أن تكون مخلوقة) مقدورة الله تعالى: لشمول قدرته تعالى للممكنات بأسرها، ولا شيء من مقدور الله واقعًا بقدرة العبد، موجودا بإيجاده للتمانع، كما مرّ.
وفيه إشارات:
الأولى: أن فعل الفاعل المختار مسبوق بالقصد والاختيار غالبا.
وإليه أشار بقوله: (والعبد مع أعماله) .
الثانية: أن الكاسب يُوصف بالفاعل على الحقيقة، وإليه أشار بصيغة الفاعل، فهو يُطلق بمعنى من صدر عنه الفعل كسبًان كما قد يُطلق على من صدر منه إيجادًا.
الثالثة: أن الإيمان بمعنى الحاصل بالمصدر مخلوق، كما في التعديل والاعتماد.
وإليه أشار بقوله: (وإقراره ومعرفته مخلوق) ، واختاره مشايخ سمرقند، كما في المسايرة، خلافًا للبخاريين فإنهم قالوا: إنه بمعنى الهداية غير مخلوق، وبمعنى الإقرار والأخذ في الأسباب، وهو الاهتداء مخلوق، وحملوا عليه قول الإمام مع أعماله وإقراره ومعرفته@