فهرس الكتاب
من الأمور الضرورية منهم للفرق الضروري بين ما صدر من العبد بحسب قصده وداعيته كالإيمان والكفر وبين ما يصدر منه باضطراره كحركة نبضه ورعشة، فالإيمان والكفر من العباد من غير اضطرار ولا وجوب، وبيّنه بقوله فيه: (وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون) تنصيصًا على ما يعم الجميع؛ لأن أفعال العباد لا تخلو عن الحركة والسكون، ويقتسمان الأفعال الاختيارية كلها؛ لأن المراد بالحركة ما يعم الحركة الأينية وغيرها، ونحو الصوم والكف عن المناهي غير خارج عنهما (كسبهم على الحقيقة) بتأثير قدرتهم في الاتصاف بها، (والله خالقها) بتأثير قدرته تعالى في إيجادها، فلا يلزم اجتماع المؤثرين المستقلين على أثر واحد.
وبيان المرام بتحرير محل النزاع والخصام على ما ذكره المحققون، أن الفعل بمعنى الهيئة الحاصلة في الخارج إما بقدرة الله وحدها، أو بقدرة العبد وحدها، أو بمجموعهما.
والأول: إما أن يحصل بها بلا اختيار من العبد أصلا، وهو مذهب الجبرية المحضة كجهم وأصحابه، متمسكين بأن فعل العبد لو كان بقدرته لزم اجتماع الؤثرين؛ لشمول قدرته تعالى، وكان العبد عالما بتفاصيل أحواله، وبطلان الازم يظهر في النائم والماشي والناطق والكاتب، وإمّا أن يكون مقارنا لاختيار من العبد غير مؤثر أصلًا، وهو مذهب أهل الجبر المتوسط كالأشعري وجمهور أصحابه، وبه صرّح إمام الحرمين في الإرشاد، متمسكين بأن فعل العبد لو كان بقدرته واختياره لكان متمكنا من فعله وتركه، واللازم باطل؛ لأنه لا بدّ من ترجيح الفعل على الترك بمرجح لا يكون منه، ويجب عنه الفعل لامتناع الترجيح بلا مرجح، وامتناع تسلسل المرجحات ووجود الأثر بدون الوجوب، وبأن معلوم الله من فعل العبد، إما وقوعه فيجب، أو لا وقوعه فيمتنع، فلا يبقى في مكنة العبد وإن كان ممكنًا في نفسه.
والثاني: إما بأن يصدر من العبد على الإيجاب، بأن يوجب الباري تعالى للعبد القدرة ولإرادة، وهما يوجبان وجود المقدور، وهو مذهب الفلاسفة، ونقل عن إمام الحرمين، وإما بأن يصدر من العبد على الاختيار، بأن يوجد الباري تعالى في اعبد القوى والقدر بالاختيار، وبهما مع الإرادة الحاصلة من العبد يوجد المقدور على الاختيار، وهو مذهب المعتزلة كما صرّح به الإمام الرازي، وأشار إليه صاحب المواقف تمتسكين بأنه لولا استقلال العبد لبطل المدح والذم والأمر والنهي والثواب والعقاب و فوائد الوعد والوعيد وإرسال الرسل وإنزال الكتب، والفرق بين الكفر والإيمان والإساءة والإحسان، بأن من الأفعال قبائح يقبح من الحكيم خاقها، كالظلم والشرك وإثبات الولد ونحو ذلك، وبأن@