الصفحة 219 من 285

أفعال العباد واقعة على وفق تصورهم ودواعيهم، وسياتي جواب الكل، وليس القوى والقدر تمام العلة حتى يلزم الوجوب، بل مع الإرادة والعزم، وهو ليس بإيجاده تعالى عندهم، كما في (( كاشف المحصول ) )للأصفهاني وغيره، فليس مذهبهم عين مذهب الفلاسفة كما ظن، بل الصدور من العلة التامة أيضا بالأولوية عند بعضهم، كما في قواعد العقائد للنصير الطوسي.

والثالث: إما بأن يكون أصل الفعل بمجموع القدرتين، بمعنى أن قدرة العبد غير متعلقة بالفعل بالتأثير، إلا إذا انضمت إليها قدرة الله تعالى فتؤثر بإعادتها، كما في الأربعين والصحائف وغيرهما، فلا يلزم توارد المؤثرين المستقلين على أثر واحد، وهو مذهب الأستاذ أبي إسحاق الأسفرايني ومن تبعه من الأشاعرة، متمسكن بأن فعل العبد ممكن، وكل ممكن مقدور الله تعالى، والضرورة فارقة بين أفعاله الاختيارية والاضطرارية، ولا فرق إلا بالاختيار الموقوف تأثيره على إذنه تعالى وإعانته؛ إذ لا أثر المجرد مقارنته بالضرورة، وبأن فعل العبد ممكن، وكل ممكن مترجح بالواجب تعالى، وأيضا فعله متوقف على مشيئته، ومشيئته متوقفة على مشيئة الله وإذنه وإعانته، فإن تعلقت القدرة والمشيئة به دخل في الوجود، وإلا فلا، كما في شرح الطوالع للأصفهاني، واستقر عليه رأي إمام الحرمين في الرسالة النظامية، حيث صرح فيها في مواضع بأن تأثير قدرة العبد في فعله بإذن الله تعالى إنما هو بالاختيار، ثم قال: هذا والله هو الحق الذي لا غطاء دونه، ولا مراء به لمنت وعاه حق وعيه، وإما بأن يكون أصل الفعل بقدرة الله، والاتصاف بكونه طاعة أو معصية بقدرة العبد، وهو مذهب جمهور الماتريدية.

ففي التوضيح: أن مشايخنا ينفون عن العبد قدرة الإيجاد والتكوين، فلا خالق ولا مكون إلا الله، لكن يقولون: إن للعبد قدرة ما على وجه لا يلزم منه وجود أمر حقيقي، لم يكمن بل إنما يختلف بقدرته النسب والإضافات فقط، كتعيين أحد المتساويين وترجيحه.

وفي الاعتماد: ا، وجوب الفعل بقدرة الله وكونه حركة وسكونا وطاعة ومعصية بقدرة العبد، ومثله في المسايرة وغيرها مما سيأتي.

واختاره القاضي أبوبكر الباقلاني ومن تبعه من المحققين من أهل السنة، كما في التلويح، وفي التوسط بين القولين والأمر بين الأمرين.

قال في شرح الصحائف: وقال قوم من العلماء: إن المؤثر مجموع قدرة الله وقدرة العبد، وهذا المذهب وسط بين الجبر والقدر، وهو أقرب إلى الحق.@

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت