الصفحة 221 من 285

أفعال العبد لا شعور له بها كالنمو وهضم الغذاء، وبعضها مشعور به لكن ليس بإرادته كمرضه وصحته ونومه ويقظته، وبعضها مما له قصد إلى صدوره، وصحة الصدور غير القصد؛ إذ ربما يصح صدور فعل لا يقصدهن وربما يقصد ما لا يصدر، او لا يصح صدوره عنه، فصحة الصدور وللصدور هي المسمى بالقدرة، وهي لا تكفي في الصدور إلا بعد ان يرجح أحد الجانبين على الآخر، والترجيح بالوصف المسمى بالقصد والإرادة، وكل فعل يصدر عن فاعل بسبب حصول قدرته فهو باختياره، وكل ما لا يكون كذلك فهو ليس باختياره، ثم حصول قدرته لا بد وأن يستند إلى ما لا يكون بقدرته دفعا للتسلسل، وحصول مقدوره أيضا لا بد وأن يستند إلى ما لا يكون منه؛ لتخلفه عنه بعد حصول قدرته وإرادته وسلامة أسبابه وآلاته، وشمول قدرة الواجب تعالى لجميع الممكنات التي منها فعله، فدل على أن المؤثر فيه كلا القدرتين، فالحق القول بهما جميعا مأخوذا من أهل بيت النبوة، وقد رواه الإمام الشافعي والحافظ ابن عساكر والسيوطي عن عبد الله ابن جعفر، عن علي رضي الله عنه أنه قال للسائل عن القدر: (( سر الله فلا تتكلف، فلما ألح عليه قال: أما إذ أبيت فإنه أمر بين أمرين، لا جبر ولا تفويض ) )، ولما كان محمد الباقر من شيوخ الإمام مشافها له بالكلام أسند إليه مشيرا إلى سطوع برهانه للأفهام.

وأوضح صاحب التوضيح المقام حيث قال: التفرقة ضرورية بين الأفعال الاختيارية والاضطرارية، وليس التفرقة لمجرد كون الأفعال موافقة لإرادة العبد؛ لأن الإرادة إن كانت صفة يرجح الفاعل أحد المتساويين، ويخصص الأشياء بما هي عليه من الخصوصيات، كأن الترجيح والتخصيص من العبد فلا جبر، وغن لم يكن كذلك فلا يكون إلا مجرد شوق، فيجب ألا يقع فرق بين الأفعال الاختيارية والاضطرارية التي لا يشتاق إليها، كحركة نبضنا على نسق يشتهي أن يكون عليه، لكنا نفرق بينهما ونعلم أن الأولى بفعلنا لا الثانية، وأيضا نفرق في الاختياريات بين ما نقدر على تركه وبين ما لا نقدر على تركه، كالانحدار إلى صبب: أي منخفض بالعدو الشديد الذي لا يقدر على الإمساك عنه، وكذا نفرق في الترك بين ما يقدر على الفعل وبين ما لا يقدر، وأيضا نفعل بداعية وقد نفعل بلا داعية، فعلم أن العلم الوجداني قاض بأنا نفعل منم غير اضطرار ولا وجوب، ونرجح أحد المتساويين والمرجوح، وهذا الترجيح هو الاختيار والقصد، ثم مع ذلك نشاهد خوارق العادات في صدور الأفعال، كالحركات القوية من القوى الضعيفة، كقطع مسافة بعيدة في طرفة عين وأمثاله، وكذا في عدم صدورها، كما تواتر في أخبار الأنبياء والصديقين، أن الكفار قصدوهم بأنواع الأذى فلم يقدروا على ذلك مع سلامة الآلات وتوافر الدواعي@

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت