الصفحة 223 من 285

والإيجاد، كما في التوضيح، أو موقوف على أمرٍ عدميٍّ هو القابلية، كما في حواشي فصول البدائع للعلاّمة الناري.

وقال العلامة التفتازاني في تفسير (الفاتحة) في مبحث الاستعاذة: المختار هو القول بالكسب الذي ته يتحقق الواسطة، وكسب العبد عبارة عن أمرٍ نسبيٌّ يقوم به ويعده محلاًّ لأن يخلق الله سبحانه فيه فعلًا يناسبه تلك النسبة.

وليس هذا الكسب من الله؛ إذ لكونه عدميًّا غير موجودٍ، لم يُنسب إلى خلقه وإيجاده، ولاتِّصاف العبد به صار له مدخل في محلية خلق الله، وقابلية ذلك الخلق فيه، وبيان القبلية أن يكون شرط الخلق والتأثير لا جزءًا منه.

فلأن تحصيل شرط القابلية يتوقف على العبد ينتفي الجبر، ولأن ليس للعتد جزء من الفاعلية ينتفي القدر، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: (( فمن وجد خيرًا فَلْيحْمِد الله، ومن لا فلا يلُومنّ إلاّ نفسه [1] ) .

فذلك الأمر النسبي المعبر عنه بالكسب والاختيار والقدرة الكاسبة وتوجه العبد والقصد هو مدار التكليف ومناط الثواب والعقاب، وشبهوه بما إذا أمر ملك عُلم صدق وعده، بأن ينادي في ملكه: أن كل من حاذى منظرته يوم كذا يعطيه ألف دينار، فمن حاذى أخذه ومن لا فلا، فللآخذ تحصيل هذه النسبة التي هي محاذاة المنظرة، وهي أمرٌ لا وجود له، والإعطاء للملك ليس إلا، لكنه يتوقف على ذلك التحصيل على ما عُلم من عادته، فالآخذ بها مجور ولا قادر على تحصيل ديان، إنما قدرته الكسبة على تحصيل نسبة المحاذاة فقط، إذا تحقق هذا أمكن دفع أسئلة الطرفين.

الرابعة: نفي الجبر فيه أصلًا، وإليه أشار ببيان كون المعاقبة في صرف الاستطاعة الصالحة للضدين على البدل، وبيان كون الاستطاعة هي المخلوقة فيه.

وتحقيقه: أن المرجح إرادة العبد، وذلك معلومٌ بالضرورة، وهي إن كانت مستندة بالآخرة إلى قدرة الله تعالى فغنها قد تستند إلى العلم بالمصلحة، والعلم قد يستند إلى الحركات الخيالية المنتقلة من السيء إلى لازمه أو ضده أو لازمهما، فقد تنتهي حركات إلى تصور أشياء باعثة للإرادة، وأصل الإرادة العلم والخيال وإن كان بخلق الله تعالى، لكن ذلك لا يقدح في كون الإرادة مرجحة؛ لأن سبب السبب لا يخرج السبب عن كونه سببًا، وأيضًا إن مقدور العبد ليس إلا حركات وسكناته، وصرف قدرته إلى مآربه@

(1) ) رواه مسلم (4/ 1994) ، والبيهقي في الكبرى (6/ 93) ، وأبو نعيم في الحلية (6/ 75) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت