فهرس الكتاب
وحاجاته لا يقدح فيه كون ما سواه مما لا بدّ منه في حصول الفعل المقدور، كأصل القدرة الكلية والإرادة والشعور وكالآلات والقوابل حاصلة بقدرة الله ومشيئته تعالى، فإنها غير مختصةٍ بطرفٍ واحدٍ من الفعل والترك حتى يلزم عدم تمكن العبد، بل صالحة لكلٍّ منهما، والعبد يصرفها إلى أحدمها، فلا يلزم الجبر كما في الصحائف، ولا يتجه قول الأشعري أن لاختيار من الله بالجبر والاضطرار، فنحن مختارون في أفعالنا، مضطرون في اختيارنا، وهو مخالفٌ لقول السلف لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين؛ إذ لا فرق بينه وبين الجبر الحض في الحقيقية، فأي نفع في وجود اختيار اضطراري؟! كما في الطريقة.
واستدلّ عليه الشيخ الأشعري بأن فاعل القبيح إذا لم يتمكن من تركه ففعله اضطراري، وإن تمكن فإن لم يتوقف على مرجحٍ كان اتفاقيًّا، وإن توقف يجب عنده الأنّا فرضناه مرجحاّ تامًّا، ولئلا يترجح المرجوح، ولا يكون المرجح باختياره؛ لئلا يسلسل فيكون اضطراريًّا، وردّ بأنه استدلال في مقابلة التفرقة الضرورية بين الاختيارية والضرورية؛ لما أن الجبر على فعلٍ نقيض عدم القدرة عليه، فلا يندفع بما قيل: أن الفارق وجود القدرة لا تأثيرها.
وأحاب عنه في التنقيح: بأن توقفه على مرجحٍ لا يوجب كونه اضطراريٍّا؛ لأن لاختياره تأثيرًا في فعله أيضًا، وتحقيقه أن المرجح سواء كان اختياريًّا أو داعيًا موجبًا أو غير موجبٍ لا يقتضي الجبر، أما إذا كان اختيارًا فلأن تخلله موجبًا يدفع الاضطرار؛ لأن الاضطراري ما لا يوجبه الاختيار، وغير موجبٍ يدفع توجه الاتفاق؛ لأن الاتفاق ما لا يرجحه الاختيار.
وأما إذا كان داعيًا فلأن الدعي إلى الاختيار لا ينافيه، كما أن العلم والقدرة والإرادة الأزليات التي تعين أحد الطرفين باختيار العبد لا تنافيه بل تحققه، كما في فصلول البدائع.
وقال في التوضيح: اعلم أن كثيرًا من العلماء اعتقدوا هذا الدليل يقينياّ، والبعض الذي لا يعتقدونه يقينيا لم يوردوا على مقدماته منعًا يمكن أن يقال إنه شيء، وقد خفي على كلا الفريقين مواقع الغلط فيه، وأنا أسمعك ما سنح بخاطري، وهذا مبنيٌّ على أرتع مقدمات، وأنا أطلعك عليها إجمالًا لتهتدي إلى سواء السبيل، ولا في فيافي التفصيل.
المقدمة الأولى:
أن لفظ الفعل قد يُطلق على معنىً ثابت، قائم بالفاعل، حاصل بالمصدر، كما إذا بحرك زيد فحصل له الحركة، وقد يُطلق على إيقاع ذلك المعنى، والموجود هو الأول دون الثاني.@