فهرس الكتاب
يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هود: 34] )، والنصح إمحاض إرادة الخير من الدلالة، وقيل: إعلام موضع الغي ليتقى، والرشد ليقتفي.
وفيه إشاراتٌ:
الأولى: الإيذان بأن ما سبق منه ليس بطريق الجدال والخصام، بل بطريق النصيحة لهم والشفقة عليهم.
الثانية: أنه لم يأل جهدا في إرشادهم إلى الحق، ولكن لا ينفعهم ذلك عند إرادة الله إغواءهم.
الثالثة: أن تقييد عدم نفع النصح بإرادته مع أنه متحقق لا محالة للإيذان بأن ذلك النصح منه مقارن للإرادة والاهتمام به، ولتحقيق المقابلة بين ذلك وبين ما وقع بإزائه من إرادته تعالى لإغوائهم، كما في الإرشاد، وهو دليلٌ على أن إرادة الله تعالى يصح تعلقها بالإغواء، وأن خلاف مراده محال، كما في تفسير البيضاوي، (وقال تعالى: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ} [طه: 85] ) : أي عاملناهم معاملة المختبر؛ ليظهر منهم بفعلهم ما كان في علمنا وتقديرنا أنهم يفعلونه، يعني ابتلاء الذين خلفهم موسى مع هارون بعبادة العجل، وفيه دليلٌ على أن المعصية بخلقه تعالى وتقديره، كما في تفسير البيضاوي، (وقال تعالى: {لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ} [يوسف: 24] ) : أي ثبتنا يوسف لنصرف عنه السوء مطلقا، فيدخل فيه خيانة السيد دخولا مطلقا، أو لنصرف عنه دواعي الزنا، كما دلّ السوق، {وَالْفَحْشَاءِ} [البقرة: 169] : أي الفعلة القبيحة، وهي الزنا، وفيه دليل على أن الأعمال بخلق الله وقضائه وقدره، وإليه أشير بصرف السوء عنه لاستلزامه فعل الكف، وأن همّ يوسف ليس بهم عزم بل هم خطرة، ولا منع فيما يخطر بالقلب، وهو قول الحسن، ويحتمل أن يكون قوله: {وَهَمَّ بِهَا} [يوسف: 24] متعلقا بالشرط المذكور بعده وهو: {لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] : أي نداء جبريل: (( يا يوسف بن يعقوب، اسمك في الأنبياء مكتوب، فلا يكن عملك عمل الفجار ) )، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، كما في التيسير.
قال في شرح المقاصد: وللمعتزلة في تلك الآيات تأويلات فاسدة، وتعسفات باردة، يتعجب منها الناظر، ويتحقق أنهم محجوبون، وبوصفها محفوفون.
ولظهور الحق في هذه المسألة يكاد عامتهم به يعترفون، ويجري على ألسنتهم أن ما لم يشأ الله لا يكون.
ثم العمدة القصوى لهم في الجواب عن أكثر الآيات حمل المشيئة على مشيئة القسر@