الصفحة 238 من 285

أقوال: أراد أن يدفع عن المعتزلة أنهم مجوس هذه الأمة بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (( القدرية مجوس هذه الأمة [1] ) ، والتحقيق فيه أن الاسم في الأصل يحتمل المدح والذم، إلا أنه اشتهر في الثاني فأرادوا دفعه عن أنفسهم، وما ذكروه من وجه الغرابة معارض بأن من أثبت للعبد ما يختص به تعالى من الإيجاد فقد أغرب واستحق النبذ، ثم الطائفتان متصفتان على أن كل شيء بقدر، إلا أن أحد الطريقين يقول: هو تقدير معلوم، والثاني يقول: معلوم مقدور، فمن خصّ القدر بالمعلوم فقد أغرب وفرق بين أمرين لا يفترقان فاستحق النبذ، والمقصود أن النبذ على الوجهين جارٍ على قانون العربية، لكن الحديث غل في عنقهم، فإن المجوس قائلون بمبدأين مستقلين هما: الظلمة والنور، (( أو يزدان ) )، (( وأهرمن ) )، والمعتزلة كذلك تجعل الله تعالى والعبد سواسية بنفي قدرته عزّ وعلا عما يقدر عليه عبده، وبالعكس.

فإن قلت: الجماعة لما أثبتوا شابهوا المجوس في الشرك بل زادوا عليهم، فالتشبيه في الحديث لا ينافي ما ذكراه.

قلت: لم يجعلوها واجبة بذاتها بل بوجوب الذات، فلا يرد على أن المجوس أشركوا في الأفعال كالمعتزلة، فيظهر التخصيص بهؤلاء من بين المشركين، هذا وما يرويه أبو داود رحمه الله عن حذيفة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر [2] ) ، نص في أنهم المرادون، وأما قوله: فمن أدخل في القدر ما ليس منه فهو حجة عليه؛ لأن المعتزلة أثبتوا فعل الله لأنفسهم، وقالوا بالقدر: أي بأن للعبد قدرة مستقلة.

وقال في فتح الباري: حكي عن طوائف من القدرية إنكار كون الباري عالما بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنما يعلمها بعد كونها.

قال القرطبي وغيره: قد انقرض هذا المذهب، ولا نعرف أحدا ينسب إليه من المتأخرين.

والقدرية اليوم مطبقون على أن الله تعالى عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم أن أفعال العباد مقدورة لهم، وواقعة منهم على جهة الاستقلال، وهو مع بطلانه أخف من المذهب الأول.@

(1) رواه أبو داود (4/ 222) ، والحاكم في المستدرك (1/ 159) ، والطبراني في الأوسط (3/ 65) .

(2) رواه أبو داود (4/ 222) ، وأحمد (5/ 406) ، والبزار في المسند (7/ 338) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت