الصفحة 24 من 285

(وأما الخصال التي بضرّك) مع اتصافك بحال المخطئ (فواحدة منها: اسم الجهالة) فيما يجب عليك معرفة حقيقته من الاعتقاديات (يقع عليك) بين الناس فتكون مذمومًا به في العاجل، معاقبًا بترك واجب المعرفة في الآجل؛ (لأنك لا تعرف الخطأ) في الاعتقاديات عن الدليل، ولا تفرقه (من الصواب) المحمود بحسب مقتضى العقل أو الشرع، ولما ورد ههنا ما شاع من شبهة الحشوية أن إصابة المعتقد بتقليد سلف الأمة تدفع المذمة والمعاقبة على عدم معرفة خطأ المخالفة بالنظر وإقامة الحُجَّة، أشار إلى منعه بقوله: (ومن وصف) وعيّن (عدلا) وهو في الأصل بمعنى التسوية، نقل إلى التوسط في الأمور اعتقاداَ كالتوحيد المتوسط بين التعطيل و التشريك، والقول بالكسب المؤثر المتوسط بين الجبر والقدر، وبوجوب التصديق بسبب العقل المتوسط بين الإيجاب منه والإهمال، وقملًا كالتعبد بأداء الواجبات، المتوسط بين البطالة والترهب، وخُلُقًا كالجود المتوسط بين البخل والتبذير، ثم سمَّى به كل حقّ لتوسطه بين الإفراط والتفريط، فمن عيّن العدل من الاعتقاديات ووصعه به تقليدًا (ولم يعرف) عن الدليل (جور من يخالفه) في الاعتقاد (فإنه جاهلٌ) في ذلك (بالجور والعدل) ؛ لأن المعتبر في معرفة الاعتقاديات هو التصديق البالغ حد الجزم، فمن لم يعرف خطأ المخالف ويجزم به لم يعرف العدل ولم يجزم به، وفيه إشارةٌ إلى أنه لا يكفي لدفع المعاقبة مجرد التقليد فيما اختلف فيه من الأصول الدينية بل لا بدّ من الجزم عن الدليل في الجملة، وقد صرّح الأئمة بأن المقلد في العقائد مطلقًا عاصٍ بترك النظر، مستحق للعقوبة.

(والثانية) من الخصال المضرّة: أنه (عسى أن ينزل بك) وتخشى أن يصيبك (من الشبهة ما نزل بغيرك) ممن بشبث بها من أهل الأهواء، (ولا تدري ما المخرج) والمخلص (منها؛ لأنك لا تدري) ولا تستيقن؛ لعدم حزمك بخطأ المخالف (أمصيبٌ أنت أم مخطئ) في الخلافيات الاعتقادية! (فلا تنزع) ولا تتخلص (عنها) : أي عن الشبهة مما أوردها الخالفون على أهل الحق، ومما ذكروها لإثبات مذهبهم، فإنها شبهة في نفس الأمر وإن كانت دليلًا عندهم.

(والثالثة) من تلك الخصال: أنك (لا تدري من تحب في الله ومن تبغض في الله) ، وهو من مواجب الدين وآكد ثمرات الإيمان، وفيه إشارةٌ إلى قوله صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ أَوْثَقَ عُرُىَ الإسْلَامِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللهِ وتُبْغِضَ فِي اللهِ تَعَالى [1] ) ؛ (لأنك لا بدري) ولا بميز عن دليل@

(1) ) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (6/ 170) بنحوه، وذكره ابن عبد البر في التمهيد (17/ 431) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت