(المخطئ من المصيب) في الخلافيات من أصول الاعتقاديات والمحبَّة لأهل الحق، والبغض لأهل الباطل من ثمرات معرفته لذلك.
وفيه إشاراتٌ إلى مسائل:
الأولى: أنه لا يُعذر أحدٌ بجله من المصيب والمخطئ في الخلافيات، ولا يأمن المكتفي بالتقليد أن تصيبه الشبهات، ولا يدري من يحبه ويبغضه من أهل الهدى والضلالات، فيجب عليه معرفة ذلك كبه بالنظر فيه والبحث عن دليله، ومن منع عن النظر فيه من الحشوية والظاهرية فقد استروح بالجهالات.
الثانية: لزوم وصفه تعالى عند الاستيصاف بمعرفة ما ثَبُت له تعالى من الصفات الثبوتية والسلبية ولوازم الألوهية، فأن الواجب بقوله تعالى: {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} [الممتحنة: 10] ، كما في شرائط الراوي من التوضيح والبرهان الساطع، ونصَّ محمد رحمه الله تعالى في الجامع البير على كفر من لم يصف الله تعالى إذا استوصف.
ولما كان فيه عسر والله يريد بكم السير قال أبو منصور الماتريدي وشمس الأئمة الحلواني رحمهما الله تعالى: ينبغي أن يستوصف بطريق التلقين كما في سِيَر الملتقط، واختاره عامة مشاينخا كما في المحيط، ولو عرف ولم يقدر على الوصف يحكم بكفره عند من اشترط الإقرار كما في نكاح المحيط البرهاني، وأفتوا بكفر من قال: لا أعرف صفة الإيمان، كما في سير التتر خانية، ولوّح إليه بالعرض للوصف في المقام؛ لشموله لوصف العدل، والاعتقاد في صفاته تعالى.
الثالثة: أن ما تمسكوا به من الأحاديث الناهية عن التفكر في صفات الألوهية من رواية ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( تَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ اللهِ ولاَ تَتَفَكَّرُوا فِي اللهِ [1] ) ، كما رواه البيهقي وأبو نعيم عن ابن عباس، ولأصفهاني عن ابن عمر، محمولة على النهي عن التفكر بمجرد العقول من غير أخذٍ من المنقول، كما يشعر به التفكر جميعًا بينه وبين الأدلة الموجبة للنظر فيها، كيف وقد دلّ على فضله وشرف أهله قوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ} [آل عمران: 18] ، حيث قرن شهادتهم على وحدانيته تعالى بالإيمان بها، والاحتجاج عليه بالحجج العقلية والنقلية بشهادته تعالى بنصب الدلائل التكوينية كما فسَّره الجمهور، فدلّ على@
(1) ) رواه الديلي في الفردوس (2/ 56) ، وذكره ابن كثير في التفسير (4/ 386) .