فهرس الكتاب
ومن قدر وكُتِبَ أنه من أهل النار قدّر له خلاف ذلك، وخذله حتى اتبع هواه، وران على قلبه الشهوات، ولم يغنه النذر والآيات، فأتى بأعمال أهل النار ورجحها وأصرَّ عليها، حتى طوى على صحيفة عمره، وكان ما يدخله النار ملاك أمره، كما في شرح المصابيح للبيضاوي، وأثبت ذلك مشيرا إلى الحديث المرفوع من طرق متعددة.
(ص) (وقال في الوصية: أمر القلم بأن يكتب، فقال القلم: ماذا أكتب يا رب؟ فقال الله تعالى: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) .
(ش) (وقال في الوصية: أمر القلم بأن يكتب) : أي أمر الله تعالى القلم أن يثبت في اللوح المحفوظ إثبات الكاتب ما في ذهنه بقلمه على لوحه؛ ليطّلع الملائكة على ما سيقع ليزدادوا بوقوعه إيمانا وتصديقا، وليعلموا من يستحق المدح والمدح والذم فيعرفوا لكل مرتبته، كما في شرح المشكاة للهيتمي، (فقال القلم: ماذا أكتب يا رب؟ فقال الله تعالى: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) : أي سيوجد من الخلائق ذوات وصفات خيرها وشرها على ما يختارونه، موافقا لما تعلق به إرادته تعالى في الأزل.
وفيه إشاراتٌ:
الأولى: أنه تعالى بقديم علمه المتعلق بالأشياء رتبها منوطة بتلك الأسباب إلى يوم القيامة، وإليه أشار بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة.
قال في الصحائف: إن ما سِوَى الله تعالى محتاجٌ إليه تعالى في جميع ما له من القوى وغيرها في الحصول والبقاء، فلا يكون تأثير قدرة الله تعالى منقطعا في كل حال عن تأثير المؤثرات، فصدور ما صدر عنها أيضا بقدرة الله تعالى؛ لأن الفاعل في تأثير المؤثر حالة تأثيره في الشيء فاعل بالحقيقة في ذلك الشيء، فعلم أن الجميع واقعٌ بقدرة الله تعالى، وجمهور الأشاعرة وإن اجتنبوا عن التزام هذه القاعدة؛ لأنهم ذهبوا إلى نفي الأسباب: أي تأثيرها وكون الترتيب بالعادة، لكنها ليست مما يأباه الشرع، بل العقل والشرع شاهدان عليها؛ لما ورد في الكتب المنزلة وأخبار الأنبياء ذكر الأسباب وإناطة مصالح العباد إلى مدبرات الأمر بل فيه زيادة قدرة وحكمة؛ لأن خلق السبب يتضمن قدرتين وحكمتين: خلق نفسه، وخلق قوة تأثيره، ونظام الوجود، وإفاضة الجود تبارك الله أحسن الخالقين.
وتحقيقه: ما في كشف الكشاف أن الباري جلّ شأنه بقديم علمه المتعلق بالأشياء تعلقا عاريا عن النسبة إلى الزمان، وتقديره على وفق علمه المنزَّه عن تطرّق الحدثان، وموجب إرادته المرجحة لها إبرازا حسب العلم الشامل والتقدير الكامل، وقدرته المؤثرة التي يفيض بها ما رجّحته الإرادة من وجود الماهيات وصفاتها في الأعيان، أوجد الأشياء@