الصفحة 243 من 285

مرتبا ترتيبا حكميّا لا تتحول عنه؛ لعدم التحول في العلم والتقدير.

ثم قال: وإن في هذا الترتيب زيادة الدلالة على القدرة الكاملة والحكمة البالغة.

الثانية: أنه أمر القلم بأن يكتب كذلك، ولا يلزم منه امتناع وجود ما علم الله عدمه، أو عدم ما علم وجوده ليكون خبرا؛ لأن موجب ذلك ألا يقع خلافه لا ألا يمكن، ويسلب اختيار العبد رأسا، فإن استحالة الشيء بالغير لا يمنع كونه بالذات مقدورا للعبد مختارا له، كيف وما من مقدور إلا وهو ممتنع بالغير قبل تعلق قدرته، ضرورة أن كل واقع وجودا كان أو عدما لا يقع إلا بعد ما وجب، ويقال لذلك الوجوب السابق، ويلزمه امتناع الطرف الآخر، وإليه أشار بكتب ما هو كائن.

قال العلامة ابن الكمال في (( رسالة القدر ) ): الثابت عندنا أن ما علم الله عدم وقوعه لا يقع البتة، وما علم وقوعه يقع البتة، وأما أن سبب ذلك علمه تعالى وتقديره فلم يثبت بل ثبت ما ينفيه ويدل على خلافه، وهو أن التقدير تابعٌ للعلم، والعلم تابعٌ للمعلوم في الماهية، وشأن التابع ألا يؤثر في المتبوع لا إيجابا ولا منعا، فعلم الله تعالى، وإخباره بوجود شيء أو عدمه وتقديره وكتبه لذلك لا يوجب وجوده ولا عدمه، بحيث ينسب به قدرة الفاعل عليه واختياره، بل يتعلق على حسب ماهية المتبوع وهو الفعل الاختياري، ولذلك أمر القلم بأن يكتب ما هو كائنٌ: أي باختيار العباد في أفعالهم، ولم يؤمر بأن يكتب ما أريد أن يكون عليه.

الثالثة: أنه ثابتٌ بحديث مشهور، وإليه أشار بالاكتفاء عن بيان الرواية، وهو حديثٌ مشهورٌ عن عُبادة بن الصامت، وابن عباس رضي الله عنهم، وروى عنهما بأكثر من خمسة عشر طريقا: رواه أبو داود، والبيهقي، والطبراني، والضياء المقدسي، والترمذي، رحمهم الله تعالى عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أوّل ما خلق الله: القلم، فقال له: اكتب، قال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، من مات على غير هذا فليس مني [1] ) ، ورواه الترمذي وأبو داود، والطيالسي عنه بلفظ: (( اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد [2] ) ، رواه أحمد بن حنبل، وابن جرير، والطبراني، وابن أبي شيبة، وأبو يعلى، وابن منيع، والضياء المقدسي عنه بلفظ: (( فقال: ما أكتب؟ قال: القدر، فجرى تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة [3] ) @

(1) رواه أبو داود (4/ 225) ، والبيهقي في الكبرى (10/ 204) ، وأبو نعيم في الحلية (5/ 248) .

(2) رواه الترمذي (4/ 457) ، والطيالسي في المسند (1/ 79) .

(3) ) رواه أحمد (5/ 248) ، (5/ 264) ، والحاكم في المستدرك (4/ 96) ، بنحوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت