فهرس الكتاب
، وروى البيهقي وأبو نعيم وابن النجار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( أول شيء خلق الله تعالى القلم، فأمره فكتب كلّ شيءٍ يكون [1] ) ونوّر المقام بحديث صريح في المرام، مشهور بين الأعلام.
(ص) (وقال في رواية محمد والحارثي والأنصاري: حدَّثني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن سراقة بن مالك الأنصاري قال:(( رسول الله حدِّثنا عن ديننا كأنَّا وُلِدْنا له، أنعمل لشيءٍ جرت به المقادير وجفّت به الأقلام أو لشيءٍ مستقبلٍ؟ فقال النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم: لما جرت به المقادير وجفّت به الأقلام. قال: ففيم العمل؟ فقال: اعملوا فكلّ ميسَّر لما خلق له ) ). ثم قرأ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى).
(ش) (وقال في رواية محمد والحارثي والأنصاري: حدّثني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن سراقة بن مالك الأنصاري) ، وهو ابن جعشم الدلجي الكناني، كان ينزل قديدًا، روى عنه الجماعة (قال: (( يا رسول الله حدِّثْنا عن ديننا) : أي عن حقيقة أمره في حكم ربنا وقضئه وقدره، (كأنّا ولدنا له) : أي دبّر الله أمورنا قبل وجودنا، خلقنا لأجله، (أنعمل لشيءٍ جرت له المقادير) : أي الأقدار، (وجفّت به الأقلام) : أي فيما بيّنه التقدير الأزلي تعييناّ بتَّا، لا يمكن وقوع خلافه بالنسبة لما في علمه القديم المعبَّر عنه أم الكتاب، وفرغ من كتابته القلم: أي تمّ والنقضى، فجفاف القلم كناية عن التمام والفراغ لانقضاءٍ؛ لأن الصحيفة حال كتابتها لا بدّ وأن تكون رطبة المداد أو بعضه، ولا يبدل ولا يغير بعد جفافه، فذلك كناية بليغة عن تعدم كتابة المقادير كلها، والفراغ منها في أمدٍ بعيدٍ، وجمع المقادير والأقلام بالنسبة إلى المواد والأفراد، (أو لشيءٍ مستقبل) : أي في شيء معلق بالمستقبل، كأن يُكتب: فلان يسعد مثلًا إن زاد أو أحسن، ويشقى إن لم يفعل، وهذا هو الذي يقبل المحو والإثبات المذكورين في قوله تعالى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39] : أي التي لا محو فيها ولا إثبات، فلا يقع منها إلا ما يوافق ما أبرم، اللام في الموضعين بمعنى (في) و (قد) روى ذلك أيضًا، (فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم: لما جَرَت به المقادير وجفَّت بِهِ الأقْلام) : أي العمل في شيءٍ جرت به الأقدار الأزلية وفرغت عنها، وجفّت بها الأقلام من كل عملٍ في ساعدةٍ أو شقاوةٍ عن الأنام،@
(1) ) رواه أحمد (5/ 248) ، (5/ 264) ، والحاكم في المستدرك (4/ 96) ، بنحوه.