الصفحة 245 من 285

(قال) : أي سراقة الأنصاري: (ففيْمَ العَمَلَ؟) : أي المطلوب من العبد شرعًا من أنه مخلوقٌ فيه قطعًا، وأي فائدة للعمل، فإن الخير لا ينفع إذا كان التقدير والكتاب على خلافه، (فقال: اعْمَلوا) : أي قال النبي - صلى الله عليه وسلم: اعملوا بطاهر ما أُمرتم به، وكونه موافقًا لما في التقدير والكتب، أو غير موافقٍ له، فلستم مكَلَّفين من علمه في شيءٍ، (فكل ميَسَّر لما خلق له) : أي مُهيأ لما خُلق لأجله، وموفر له أسبابه، فيصرف استطاعته واختياره إليه، فمن خلق لأن يظهر منه الخير والسعادة لا يصدر عنه إلا ذلك باختياره، وكذلك الشر والشقاوة.

وفيه إشاراتٌ:

الأولى: أن حكمة التكليف تطويع النفس الأبية؛ لتتهذب بين الخوف والرجاء، وتفوز بالسعادات الأبدية وهي حكمة خفية، وإليه أُشير بتلك المعاملة.

قال الإمام الخطابي: قولهم: ففيم العمل؟ مطالبةً منهم بأمرٍ يُوجب تعطيل العبودية حيث راموا أن يتخدوا حجة لأنفسهم في ترك العمل، فأعلمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ههنا أمرين لا يبطل أحدهما الآخر، (( باطن ) )هو العلة الموجبة في حكم الربوبية، (( وظاهر ) )هو السمة اللازمة في حق العبودية، فعوملوا بهذه المعاملة ليتعلق خوفهم بالباطن ورجاؤهم بالظاهر.

الثانية: أن فعل كل أحدٍ بخلق الله تعالى، وتهيئته وتخصيصه إياه لذلك لاختياره، وإليه أُشير بقوله: (( ميسر ) )وقوله: (( لما خلق له ) ).

قال الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى: {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى} [الأعلى: 8] فيه كقوله - صلى الله عليه وسلم - )) فكلٌّ ميسَّر لما خلق له )) لطيفة علمية.

وذلك لأن الفعل في نفسه ماهية ممكنة، قابلة للوجود والعدم على السوية.

فما دام القادر يبقى بالنسبة إلى قعلها وبركها فلى السوية امتنع صدور الفعل عنه. فإذا ترجح جابت الفاعلية على جانب التاركية فحينئذٍ يحصل الفعل، فيثبت أن الفعل ما لم يجب لم يوجد.

وذلك الرجحان هو المسمَّى باليسر، فثبت أن الأمر في التحقيق هو أن الفاعل يصير ميسًا للفعل.

وذلك الرجحان هو المسمّى باليسر، فثبت أن الأمر في التحقيق هو أن الفاعل يصير ميسرأً للفعل.

الثالثة: أن تخصيص أحد بما خُلق له لا يوجبه الاضطرار ولا يسبه الاختيار.

غايته: ألا يقع إلا ذلك، بأن ينساق إليه اختياره ودواعيه، وإليه أشير بالتيسير ولم يقل: يفعل ما خلق له.

ولوّح إلى كل ذلك الإمام في المقام بإيراده دليلًا على المرام. @

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت