فهرس الكتاب
الرابعة: أن ترتب ذلك التخصيص والتهيئة على اختيار العباد بحسب جري العادة الإلهية، كما أشير إليه في الآية.
وإليه أشار بقوله: (ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى} ) : أي أنفق المال في وجوه الخيرات، أو أعطى حقوق الله وحقوق النفس في الطاعة، ( {وَاتَّقَى} ) : احترز عن كل ما لا ينبغي، فترك متعلقات الأفعال للتعميم، وكل ذلك لما لم ينفع مع الكفر عقبه بقوله: {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} بكلمة التوحيد والنبوة، أو بما يرضاه الخالق من العبادات البدنية أو المالية، أو بما وعد الله في قوله: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [سبأ: 39] ، أو بالثواب أو بالجنة أو بكل خصلة حسنة، {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} [الليل: 7،6،5] : أي نهيئه للجنة أو الخير أو كل ما كُلف به من الأفعال والتروك، أو العود إلى الطاعة أو الأفعال المؤدية إلى اليسرى. وترتب التيسير على المجموع وإن دلّ على سببيته له، لكن لا على أن كل ما هو سبب له يجب أن يكون كذلك، فلا دلالة عليه قطعًا كما أُشير إليه في مواضعٍ من الإرشاد، وكذلك مقابلة قوله: ( {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى} ) بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى، ( {وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} ) : أي لم يُصدق بما ذكر، ( {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [1] [الليل: 10] : أي للنار، أو للشر، أو للامتناع من أداء الحقوق التدنية والمالية، أو العود إلى البخل.
خامسة: أن الدواعي والاختيارات قد تتغير، وإليه أُشير بإدخال السين الدالة على أن المطيع قد يصير عاصيًا، والعاص قد يكون بالتوبة مطيعًا، فلذا كان للتغير فيه مجال كما في التفسير الكبير.
السادسة: أنه حديثٌ مشهورٌ، وإليه أشار بالاستدلال به في المقام.
فقد رواه عشرة من الصحابة: أمير المؤمنين أبو بكر، وعمر، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وابن عمرو، وعمران بن الحصين، وأبو الدرداء، وشريح بن عامر، وسراقة بن مالك، رضي الله عنهم.
وخرَّجه عنهم ستة عشر شيخًا: خرّجه أحمد بن حنبل، والطبراني، والبزار، رحمهم الله تعالى، عن أبي بكر رضي الله عنه، واب حنبل، والبخاري، والترمذي، والدارقطني، والضياء@
(1) ) رواه الطبراني في الكبير (7/ 120) ، أبو نعيم في مسند أبي حنيفة (1/ 29) ، (1/ 30) ، وبنحوه في: البخاري (4/ 1891) ، ومسلم (4/ 2040) ، وأبو داود (4/ 228) ، والترمذي (4/ 445) ، والنسائي (6/ 517) ، وأحمد (1/ 157) ، وابن ماجه (1/ 30) ، والطيالسي في المسند (1/ 113) .