فهرس الكتاب
يقتضي الثواب أو العقاب لو كان معلقًا بمستقبلٍ من غير سبق في الكتاب أو استكشافًا في الباب، (ففيم العمل يا رسول الله؟) : أي إذا كان الأمر مفروغًا منه، وليس معلقًا بمستأنف مبني على خير العمل وشرّه فأي فائدة للعمل؟ أفلا نتكل على ما كتب لنا خيرًا أو شرًّا؟ (فقال: اعملوا) : أي دوموا على ما كلّفتم به من الأعمال (فكُلّ ميسَّر لما خلق له) : أي مهيأ لما خلق لأجله من الأعمال في الحال أو الاستقبال، وغير مهيأ لما لم يخلق لأجله، وفسّره - صلى الله عليه وسلم - لتفصيل المرام، فقال مُقَدّمًا في مقام التهديد: بيان حال أهل الشقاوة والإجرام (أمّا أهل الشّقاء فيسّروا لعمل أهل الشّقاء) : أي هيئوا للشقاوة، ولا يقع عنهم اختيار أهل السعادة، (وأمّا أهل السّعادة فيسّروا لعمل أهل السّعادة) : أي هيئوا للسعادة وسهل عليهم مسلكها، ولا يقع عنهم اختيار أعمال أهل الشقاء.
وفيه إشاراتٌ: الأولى: استمرار الأمرين في الأهل، فلا ينافي التغيير بتغيير الاختيار، وإليه أُشير بالصيغة الدالة على الاستمرار وعنوان الأهل.
الثانية: أن العبرة بالخواتيم وإن وقع في الأثناء خلافه، وإليه أُشير بالصيغة أيضًا، وكشف عنه رواية علي رضي لله عنه فيصير لعمل السعادة، ولذا اعتبر العمل (فقال الأنصاريُّ: الآن حقّ العمل [1] ) ): أي ثبت فائدة العمل، وظهر نتيجة الأمل حيث نيط الأمر على تيسير الأسباب وصرف الاستطاعة إليه.
الثالثة: أن سبق القضاء بذلك لا ينافي الاختيار؛ لأنه تابعٌ للعلم التابع للمعلوم الاختياري في الماهية، وإليه أُشير بكتب المدخل والمخرج، وبيانه تيسير كل عملٍ لمن كُتب له ذلك.
قال الشيخ أكمل الدين البابرتي في شرح المشارق: تحقيقه أن الحقيقة الإنسانية لا تستلزم لذاتها سعادة أو ضدها، وسعادة كل شخصٍ منها وشقاوته، إنما هي بأمورٍ خارجة عنها اقتضتها الحكمة البّانية كالمشخصات، وكل ذلك مع معروضاته حاصلة في القضاء إجمالًا، فلا بدّ من وقوعها في القدر تفصيلًا، فما يقع من أفراد الإنسان: أي باختياراتهم المنساقة إلى القدر فإنما هو تفصيل قضائه لا محالة خيرًا كان أو شرّا.
ولا يمكن أن يكون التفصيل على خلاف الإجمال، فاتضح معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - (( اعملوا@
(1) ) رواه أبو نعيم في مسند أبي حنيفة (1/ 170) ، وابن أبي عاصم في السّنة (1/ 76) ، والدارقطني في العلل (4/ 326) .