فهرس الكتاب
وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] ، ولم يجبر عباده على ذنبٍ ثم يعذبهم عليه ولو زنى، أو شرب، أو قذف تُجرى الحدود عليه، ولم يشأ ا، يُفترى عليه، والله يقول: {أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} [المدثر: 56] ، فهو ليس بأهل للكفر، وغير مريدٍ له، يقال له قوله تعالى:: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] وعيد، (فقد قال: {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [المدثر: 56] ،وقال {يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24] : أي بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان، وقوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17] ، بصر ناهم، وبيَّنا لهم، وقوله تعلى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] : أي أمر ربك، وقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] : أي ليوحدوني) .
(ش) فأشار إلى تلك السمعيات: (وقال في الفقه الأبسط: فإن قال القدري) في دعوى إيجاده لفعله بحسب قصده ومشيئته: (المشيئة إليَّ إن شئتُ) : أي الإيمان ووجد داعيته: واختياره مني (آمنت، وإن شئتُ) الكفر ووجد داعيته واختياره مني (لم يؤمن) . واستدل على ذلك بأنه (قال تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] ) : أي لا أبالي بإيمان من آمن وكفر من كفر، دلّ على أن حصول الإيمان أو الكفر بمشيئة العبد لذلك، (وقال تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} ) أن دللناهم على طريق الحق، وأوضحنا لهم سبل المراشد بنصب الحجج وإرسال الرسل، {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17] ): أي أحبوا العمى على الحق، والغواية واختاروها على الاهتداء (وقال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] ) : أي حكم بألا تعبدوا إلا الباري تعالى؛ لأن غاية التعظيم لا يجوز إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الإنعام. ونهاية الإنعام عبارة عن إعطاء الوجود، والحياة، والقدرة، والشهوة، والعقل. وقد ثبت بالدلائل أن المعطي لهذه الأشياء هو الله تعالى لا غيره.
وإذا كان المنعم بجميع النعم هو الله تعالى لا غيره، لا جرم كان المستحق للعبادة هو الله تعالى لا غيره كما في التفسير الكبير، ولما كان في دلالة القضاء على المرام خفاء أردفه بما هو أصرح في ذلك فقال: (وقال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ) : أي إلا ليكونوا عبادًا لي.
فالوا: (( الآية الأولى ) )صريحة في أن الإيمان والكفر مفوضان إلى مشيئة العبد واختياره، @