دون المعاصي، وعلى أنهم المجودون لأفعالهم.
فقال فيه: (وقوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17] ، بصرناهم) بطريق الحق، (وبيّنا لهم) سبل المراشد، فآثروا العمى حبًّا، واختاروا الغواية، كما فسّره ابن عباس والسدي وقتادة وابن زيد كما في التحر للإمام أبي حيان.
فأشرا إلى أنه ليس بمعنى الدلالة الموصولة، وليس فيه نفي إرادة المعاصي عنه تعالى وفي استحبابهم العمى والغواية دلالة على كونهم الموجدين ل لك، بل على تكسبهم له قال ابن عطية.
وفي كشف الكشاف استدلوا على أن الإيمان باختيار العبد على الاستقلال، من قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} [فصلت: 17] دال على نصب الأدلّة، وإزاحة العِلّة، وقوله: {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17] دال على أنهم أنهم بأنفسهم آثروا العمى.
فالجواب: أن في لفظ الاستحباب ما يُشعر بأن قدرة الله تعالى هي المؤثرة، وأن لقدرة العبد مدخلًا ما، فإن المحبة ليست اختيارية بالاتفاق، وإيثار العمى حبّأ وهو الاستحباب من الاختيارية، فانظر إلى هذه الدقيقة تر العجب العجاب.
(وقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] ، أي أمر ربك) ، فأشار إلى أن القضاء بمعنى الأمر القطعي، كما فسّره ابن عباس والحسن وقتادة.
وقال ابن عطية: إن معنى (وقضى ربك) : أي أمر ألا تعبدوا إلا إيّاه، فهو أمر بالاقتصار على عبادة الله، فذلك هو المقضي لا نفس العبادة.
وقد عرفت أن الأمر لا يستلزم الإرادة كما مرّ، فلما آل المعنى إلى أمره أمرًا مقطوعًا به ألا تعبدوا إلا الله، فلا دلالة على إرادة الطاعات دون المعاصي، فضلًا عن الدلالة على أنهم الموجدون لأفعالهم.
وأوضح ذلك فقال: (وقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، أي ليوحدوني) ، كما في تفسير القاضي عضد الدين، وبه فسّره محمد ابن السائب الكلبي في البحر، فأشار إلى أن المراد من العبادة لازمها، وهو التوحيد، واللازم للصيرورة، بدلالة القواطع، وبدلالة البيان: أي قوله: {مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 57] ، فكأنه قال: وما خلقتهم لينفعوني، بل ليوجدوني، أما بالنسبة إلى العاصي فبشهادة فطرته على وحدانيته، وليقرُّا لي بالعبادة. @