الصفحة 254 من 285

وقال مجاهد: إلا ليعرفوني كما في البحر.

وقال بعضهم: المعنى: إلا ليتذللوا لي، أما بالنسبة إلى المطيع فظاهر، وأما بالنسبة إلى غيره فبشهادة الفطرة على التذلل، وإن تخرص وافترى كما في الإرشاد لإمام الحرمين، فلا دلالة فيه على إرادة الطاعات منهم دون المعاصي، ولا على أنهم الموجدون لذلك [1] .

قال في شرح المقاصد: وجعل اللام للعاقبة إنما يصح في فعل من يجهل العواقب، فيفعل لغرض فلا يحصل بل ضده، فكيف يُتصور في علاّم الغيوب أن يفعل فعلًا لغرض يعلم قطعًا أنه لا يحصل ألبتة، بل يحصل ضده.

وفي كشف الكشاف أن فعله تعالى ينساق إلى الغايات الكمالية، وأن اللام في الغايات موضوعة لذلك، وأما الإرادة فليست من مقتضى اللام إلا إذا عُلم أن الباعث مطلوب في نفسه، وعلى هذا لا يحتاج إلى تأويلٍ، فإنهم خُلقوا بحيث يتأتّى منهم العبادة وهدوا إليها، وجُعلت تلك غاية كمالة لخلقهم، وتعوّق بعدهم عن الوصول إليها لا يمنع كونها الغاية، وهذا معنى مكشوف فلا دلالة فيه على إرادة الطاعات منهم دون المعاصي، فضلا عن الدلالة على كونهم الموجدين لذلك، وأشار إلى الجواب عن تمسكاتهم العقلية.

(ص) (ويقال له: هل يطيق العبد لنفسه ضرّا أو نفعا؟ فإن قال: لا لأنهم مجبورون في الضرِّ والنفع ما خلا الطاعة والمعصية، يُقال له: هل خلق الله الشر؟ فإن قال: نعم خرج من قوله، وإن قال: لا كفر؛ فقد أخبر أن الله خالق الشر والحدود تجرى بما أمر الله تعالى له؛ لأنه أمر بالحدود فلا يترك ما أمر الله تعالى به، ولأنه لو قطع زيد يد غلامه كان بمشيئة الله،(لكن من عمل بمشيئة الله المعصية فإنه ليس بها رضا، ولا عدل فعله، ويُقال له: الفرية على الله من الكلام أم لا؟ الفرية من النطق، ولو لم يشإ الله لما أنطقهم بها، وهو أهل لما نشاء من الطاعة، وليس بأهل لما يشاء من المعصية) .

(ش) فأشار إلى الأول بقوله فيه: (يقال له) : أي للقدري في الجواب بطريق المعارضة والتقرير: (هل يطيق) ويقدر (العبد) أن يوجد استقلالًا (لنفسه صرّا او نفعا؟) في أفعاله الاختيارية وما يترتب عليها من المتوالدات، ويستقل فيه بالفاعلية على سبيل التفويض إليه بالكلية. @

(1) انظر: تفسير البيضاوي (1/ 242) ، والغنية في أصول الدين (ص 133)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت