الصفحة 258 من 285

فإن المعتزلة يقولون: يكفي في الانتهاء إيجاده للعبد الموجد لهذه الأفعال الاختيارية، وإن أراد به أنه لا فرق بين حركة المرتعش مثلا أو حركة من يبسط يده نحو المشتهى، فهذا شيء تُكذبه الضرورة، لم يذهب إله أحد من الجماعة.

وما توهمه بعضهم أنه مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، فمن قصور التوهم، وكنت قد حققته في بعض التعاليق على مسألة التكليف بالمحل.

وها أنا ذا أتبرع بذكر ما يذهب إليه هؤلاء الأجلاء، ثبّتنا الله على اتباعهم.

قالوا: إن الله جل وعلا بسابق علمه المعلق بالأشياء قبل كونها جملة وتفصيلا، وموجب إرادته المرجحة لها إبرزا حسب التعلق العلمي، وقدرته الكاملة التي يفيض منها ما رجحته الإرادة من وجود الماهيات في الأعيان ووجود كمالاتها، أوجد الأشياء مرتبة ترتيبا حكيما، لا نتحول عن ذلك الترتيب؛ لعدم التحول في العلم لا لأنه لا قدرة على التبديل، وأن علمه كذلك مؤيد قدرته لا مقتض للإيجاب كما توهمه بعض الناظرين، وأن في هذا الترتيب زيادة الدلالة على القدرة الكاملة، والحكمة البالغة، مع ما فيه من الرحمة الشاملة الموجبة لاطمئنان القاصرين، وزيادة إيقان العارفين. وأنت تعلم أن من هذا عقيدته لا يلزم تجوير.

ثم لما لم يجعلوا الصفات واجبة بنفسها بل قديمة لقدم الذات قائمة بها، لم يكن في شمس توحيد وإشراقها من تغوير، وأما من يجعل العبيد سواسية بمولاهم مستلقين في بعض الأحوال، فقد بدا في قمر توحيده ظلمة التكثير لما فاته من توحيد الأفعال إلى المحاق ما لزمه من تساوي القدرتين في الاختصاص، بإيجاد بقض دون آخر المفوت لتوحيد الصفات، المستجلب لنقصان الذات، تعالى شأنه عما يتوهمه الزائغون، بل عما يتحققه العارفون علوًّ كبيرا، فهذا جور منه وإشراك معا. هذا، وإن رأيهم في العدل والتوحيد يُكذب بعضه بعضا، وكفى ذلك للمسترشدين نقصا ونقصا.

(ص) (وإن قال: الرجل إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، وإن شاء أكل، وإن شاء شرب، وإن شاء لم يشرب. يُقال له: هل حكم الله على بني إسرائيل أن يعبروا البحر وقدّر على فرعون الغرق؟ فإن قال: نعم يُقال له: هل يقع من فرعون أن لا يسير في طلب موسى وألا يغرق هو وأصحابه؟ فإن قال: نعم فقد كفر، وإن قال: لا نقص قوله السابق) .

(ش) ثم أشار إلى شبهة القدرية المدّعين للضرورة في كون العبد موجدا لأفعاله الاختيارية، كما اختاره بعض منهم رئيسهم أبو الحسين البصري، وقال فيه: (وإن قال) @

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت