ونور الدين البخاري في الكفاية عن (أسد بن عمرو ويُقال له) : أي للقدري في المعارضة والإلزام: (هل علم الله في سابق علمه) الأزلي الشامل للجزئيات والكليات ما كان وما سيكون (أن هذه الأشياء) من طاعات العباد، ومعاصيهم الصادرة عنهم باختيارهم وسائر أفعالهم (تكون على ما هي عليه) : أي توجد في أوقاتها المعينة على وجه تعلّق به العلم الأزلي، ومطابقة (أم لا) ، علمها في سابق علمه، بل بعد وقوعها، (فإن قال: لا) علمها في سابق علمه، بل بعد وقوعها، كما ذهب إليه جهم بن صفوان، وهشام بن الحكم، وأبو الحسين البصري، ومن تبعهم من القدرية (فقد كفر) ؛ لأنه تجهيل له في الأزل، تعالى عن ذلك علوًّ كبيرًا، (وإن قال: نعم) علمها في سابق علمه على ما توجد هي عليه في أوقاتها المعينة، مطابقة لعلمه الأزلي، كما ذهب إليه جمهورهم، (قيل له: أفأراد الله) تعالى ورجح في الوجود (أن تكون) هذه الأشياء من الطاعات والمعاصي وسائر أفعال العباد (كما علم) ، وعلى وجه تعلّق العلم به في الأزل (أو أراد أن تكون) تلك الأشياء وتوجد في أوقاتها المعينة، (بخلاف ما علم؟ فإن قال: أراد أن تكون كما علم) وعلى وجه تعلّق به سابق علمه، (فقد أقرّ أنه أراد) ورجح (من المؤمن الإيمان، و) أراد (من الكافر الكفر) ، بحسب ما يقع منهم من الاختيارات المنساقة إلى ما تعلّق يه سابق علمه تعالى وإرادته، وأفحم في إقراره ذلك حيث لزمه الاعتراف بإثبات ما نفاه من إرادة الكفر من الكافر، وبنفي ما أثبته من الاستقلال فيه بالاختيار، فإن كان ما علم الله وقوعه ألبتة، واختياره بحيث لا يقع منه أصلًا اختيار الترك.
وكذا ما علم الله عدم وقوعه منه بحسب عدرته واختياره يمتنع وقوعه ألبتة بقدرته واختياره، بالنظر إلى تعلق العلم به وإن كان ممكنًا في نفسه، وبالنظر إلى ذاته، ولا شيء من الواجب، والممتنع باقيًا في مكنة العبد إن شاء تركه، فيبطل استقلالًا باختياره.
(وإن قال) : أراد من الكفار والعصاة الإيمان والطاعة، (بخلاف ما علم) فيهم في سابق علمه من الكفر والمعصية الحاصلين باختيارهم، كما زعموا أنه يريد من الكافر الإيمان وإن لم يقع لا الكفر وإن وقع، وكذا يريد من الفاسق الطاعة لا الفسق.
(فقد جعل) ووصف (ربه متمنيًا) حصول مراده، (متحسرًا) على عدم حصوله؛ (لأن من أراد) في الشاهد (ألا يكون) أمر (فكان) على خلاف مراه، (أو أراد أن يكون فلِمَ يكن) ، ولم يوجد على حسب مراده، (فهو متمنّ) في ذلك (متحسِّرٌ) على فواته.@