(ومن وصف رته متمنيا) حصول مراده (متحسرا) على عدمه (فهو كافر) ؛ لنسبته النقص والعجز إليه تعالى، وحينئذ أكثر ما يقع خلاف مراده، والظاهر أنه لا يصبر على ذلك رئيس قرية من عباده، تعالى الله علن ذلك علوًّ كبيرا، كما في شرح المقاصد.
فأشار إلى الحل بأن ما علم الله وأراد وقوعه بحسب اختيار العبد يجب أن يقع ألبتة باختياره، بحيث لا يقع منه اختيار الترك ولا ينساق إليه، وكذا ما علم الله وأراد عدم وقوعه منه بحسب اختياره، يمتنع وعوقه البتة باختياره للترك، بحيث لا ينساق اختياره إلى الفعل وإن كان ممكنًا في نفسه منه، فإن الوجوب والامتناع تابعان للعلم التابع للوقوع التابع لقدرة العبد.
وفيه إشارات:
الأولى: أنه تعالى يريد أن يفعل العبد بإرادته وقدرته، فينساق إلى ما تعلق به إرادته تعالى وعلمه؛ لأن الله تعالى لما أعطاه قدرة وإرادة فقد أراد أن يفعل بقدرته، وإلا لكان خلق القدرة فيه عبثًا، كما في شرح الصحائف، وانسياق قدرته وإرادته إلى ما تعلق به الإرادة والعلم لا نكون جبرًا، بل أمرًا بين أمرين، فإنه تعالى يعلم الأشياء كما تكون عليه، فلو كان شيء بقدرة العبد لعلمه كذلك، فحينئذ نكون الواجب وقوع ذلك الشيء بقدرة العبد، فيلزم ثبوت القدرة لا نفيها، وأيضا الوجوب، والامتناع بالقدرة لا ينافيانها، كما في شرح الصحائف.
وإليه أشار بقوله: (يُقال له: علم الله أن هذه الأشياء تكون على ما هي عليه) .
الثانية: أن القول بعدم وقوع مراده تعالى ووقوع مرادات العبيد يستلزم نسبة النقيصة والمغلوبية إليه، تعالى الله عن ذلك علوَّ كبيراَ.
وإليه أشار بقوله: (فقد جعل ريه متمنيا متحسرا)
وما يحاولون به التفصي عن ذلك بأنه أراد من العباد الإيمان والطاعة برغبتهم واختيارهم، فلا عجز ولا نقيصة ولا مغلوبية له في عدم وقوع ذلك، كالملك إذا أراد دخول القوم داره رغبةً واختيارًا لا إكراهًا ولا اضطرارًا، فلم يدخلوا ليس بشيءٍ؛ لأنه لم يقع هذا المراد ووقع مرادات العبيد والخدم، وكفى بهذا نقيصة ومغلوبية، كما في شرح المقاصد.
الثالثة: أن شمول علمه تعالى لأفعاله تعلى أيضًا لا يستلزم نفي صدورها بقدرته واختياره، وإليه أشار بتعليق الكون كما علم على الإرادة مطلقًا. @