قال في شرح المقاصد: وأما التفصي الباري بفعل الباري تعالى شأنه بأن يشمل علمه لأفعاله أيضًا، فيلزم الا يقع فيها خلاف علمه ألبتة مع الاتفاق على كونها بقدرته واختياره، فمدفوعٌ بأن الاختياري يكون الفاعل متمكنا من تركه عند إرادة فعله لا بعده.
وهذا متحققٌ في فعل الباري؛ لأن إرادته قديمة متعلقة في الأزل بأنه وقته، وجاز أن يتعلق حينئذ بتركه.
وليس حينئذ سابقة علم ليتحقق الوجوب أو الامتناع؛ إذ لا قبل للأزل.
فالحصول أن تعلق العلم والإرادة معًا والإرادة معًا فلا محذور بخلاف إرادة العبد، ثم أشار إلى حكم من استدل بالآيات المذكورة، وأوّلها على مذهبه من القدرية تنبيها على مذهب جمهور أهل السّنة من عدم إكفار المؤولة في غير الضروريات الدينية.
(ص) (وقال في الفقه الأبسط: ولم يكفر هذا المستدل لأنه لم يردّ الآية وإنما أخطأ في تأويلها ولم يردّ الآية وإنما أخطأ في تأويلها ولم يرد تنزيلها، ولذا لا يكفر من قال: إن أصابتني مصيبة أهي مما ابتلاني الله بها أو هي مما اكتسبت وليست هي مما ابتلاني الله بها؟ لأن الله تعالى قال: {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ} [النساء: 79] ، وبليّة {فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79] ، وقال: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] ، أي بذنوبكم وأنا قدّرته عليكم) .
(ش) (وقال في الفقه الأبسط: ولم يكفر هذا المستدل) بالآيات المذكورة على مذهب القدرية؛ (لأنه لم يردّ الآية) حيث أولها على مذهبه ولم ينكرها، (وإنما أخطأ في تأويلها) ، حيث خالف الآيات المحكمات والدلائل القطعيات، (ولم يرد تنزيلها) .
فكان استدلاله يشبه الدليل وليس به، ولخفاء فساده بحيث لا يطّلع عليه إلاّ بإمعان النظر، كان عذرًا في عدم الإكفار له، (ولذا) : أي ولما ذكر من الخطأ في التأويل بلا رد التنزيل (لا يكفر من قال: إن أصابتني مصيبة) : أي ما يُصيب من السيئة، (أهي مما ابتلاني الله بها) مجازاةً وانتقامًا على سوءٍ الاختيار، (أو هي مما اكتسبت) وحصلتها باختياري؟ (وليست هي مما ابتلاني الله بها) ، واستدل القائل على عدم الابتلاء بها من الله بأنها أُضيفت إلى العبد في الآية؛ (لأن الله تعالى قال: {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ} وبليّة {فَمِنْ نَفْسِكَ} لسوء الاختيار، واستجلاب المعاصي، (وقال: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ فبسبب معاصيكم، وهو مخطئٌ في التأويل، فإنه لا ينافي الابتلاء المدلول بقوله: {كلّ مِّن عِندِ الله} [النساء: 78] ، فإن الكل منه إيجادًا وإيصالًا، غير ان الحسنة إحسان وامتنان، والسيئة مجازاة@